‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفلسفة السياسية المعاصرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفلسفة السياسية المعاصرة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 29 فبراير 2020

الفضاء العمومي عند التيارات الإسلامية في المغرب المعاصر

فبراير 29, 2020 0

الفضاء العمومي عند التيارات الإسلامية في المغرب المعاصر
في ظل الصورية التي يتسم بها العمل السياسي في المغرب، ظهرت ممارسات سياسية موازية خاصة في ظل تطور وسائل التواصل وانتشارها، تمثلت في النقاشات المختلفة للشأن السياسي على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى وسيلة لتعبئة الجماهير و تحريك الرأي العام، ليتحول العالم الافتراضي إلى فضاء عمومي بديل، تجد فيه الحرية ملاذا أكثر اتساعا من العالم الواقعي، حيث تُنتج الأفكار والمواقف السياسية بتعبيرات متنوعة أدبية كانت أو فنية. من أجل إبراز الكيفية التي يتحول بها الشعب إلى كيان افتراضي، والفرد إلى مواطن موسمي، يمكن تأمل وضع بعض التيارات الدينية في المغرب، وكيفية تعاطيها مع ما هو سياسي، خاصة تلك التي لم تكن منخرطة فيه قبل سنة 2011، نقصد تحديدا التيار السلفي الذي كان همه دعويا لمدة طويلة من الزمن، قبل أن يقرر بعض أتباعه الانخراط في العمل السياسي. ظلت السلطات المغربية، خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، تستخدم الورقة السلفية في مواجهة تيارات سياسية ومذهبية أخرى؛ وخصوصًا في محاصرة انتشار جماعة الصوفية الأكثر انتشارا في المجتمع، التي كانت تستمد توهجها من زعائمها الروحين وشيوخها، لاسيما بعد تمرد أحدهم على الحاكم في خطبه أو رسائله، التي تتمحور حول ضرورة العمل بالشريعة الإسلامية، وإلا فإن مصير الحاكم و البلاد سيكون الهلاك. امتد تسامح السلطات مع السلفيين  سنوات كثيرة خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، إلى أن أعلنت الولايات المتحدة الأميركية الحرب على "الإرهاب" سنة 2001، حيث تجندت السلطات للبحث بين المنتسبين إلى الحركة عن إرهابيين يشكّلون خطرًا على الأمن داخل البلاد وخارجها، وأظهرت الاعتقالات  بُعيْد تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003 نوعية الطبقة الاجتماعية التي ينتسب إليها الشباب السلفي المؤمن بفكرة الجهاد ضد "الطاغوت"، والحكم بشريعة الله؛ فأغلبهم داخل السجون وخارجها، رغم عدم وجود إحصائيات رسمية تثبت ذلك، ينتمون إلى أسر فقيرة ومن ذوي الدخل المحدود ويعمل معظمهم، خاصة من الأتباع وطلبة العلوم الشرعية، في مهن بسيطة غير نظامية، لاعتقادهم بأن الاشتغال في القطاع الرسمي "مشبوه"، قد يصل إلى "الحرام" عند بعضهم. ولأن هذه المهن تتيح لهم هامشًا من الحركة والاجتماع، بما أنها لا تفرض نظامًا يوميًا ملزما، وتساعدهم بالتالي على توفير أوقات للأنشطة العقدية، خاصة أن عددًا منهم  ينعزل في مجموعات تكاد تكون أشبه بالطوائف المغلقة التي يصعب اختراقها. وتنتشر طوائفهم بمختلف حركاتهم وتياراتهم، في الأحياء الفقيرة والهامشية للمدن، وهذا لا يعني عدم وجود أغنياء بينهم. بل و إن كانوا قلة فإنهم يساهمون ماديا لدعم الحركة.يمكن توزيع السلفية جغرافيا في المغرب، بالمدن التي أصبحت تُعرَف بكونها "معاقل" للوهابية المغربية؛ فمدينة مراكش، مثلاً، اشتُهرت بكونها معقلاً رئيسيًا للوهابية التقليدية، باعتبارها مقر أحد زعمائهم الكبار المعروف بأنشطته في دُور القرآن، بينما تُعرف مدينة طنجة، مثلاً، أو تطوان أو سلا، بكونها مدنًا تكثر فيها الطائفة ذات التوجه التكفيري.
بعد المحاكمات والاعتقالات التي حدثت في صفوف المنتسبين، بدأت في أوساط التوجه التكفيري بعض "المراجعات" الفكرية التي باشرها عدد من مشايخهم ورموزهم، خاصة بعد الجلسات والحوارات بين الدولة وبين سلفي السجون. وقد تم تقسيم المعتقلين إلى أصناف ثلاثة: الأول: بريء من تهمة العنف والإرهاب، وعلى رأسهم مشايخ الوهابية التكفيرية، والثاني: نهل بالفعل من الأفكار المتشددة، فوجبت مقارعته بمقاربة فكرية وإيديولوجية؛ فيما تورط أعضاء القسم الثالث في الدماء، فلزمت محاكمتهم.وفي 2011،أتيحت للتيار الوهابي الذي تخلى عن العنف، فرصة دعمت مركزه، بعد إقرار دستور جديد  وفوز حزب  من مرجعية إسلامية بالأغلبية، وقيادته لأول حكومة شملت ائتلافا مع أحزاب يسارية ويمينية.ثم مطالبة الشارع عبر حركة 20 فبراير بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين و الإسلاميين ،فتقوت حجة السلفيين داخل السجون؛ لتوافق السلطات المختصة على إطلاق سراح عدد منهم رغم عدم إتمام مدد العقوبة، حينها استفاد عدد من مشايخهم كذلك. وفي المقابل حرص التيار السلفي "التقليدي"،على عدم الخوض في المعارك السياسة قدر الإمكان، باستثناء المشاركة لأول مرة في عملية التصويت على الدستور بالإيجاب لأن من الوجوب طاعة ولي الأمر. أما الطائفة المفرج عنها فامتدحت الثورات العربية، بما فيها الحراك الاجتماعي بالمغرب، كونها كانت سببًا حاسمًا في إطلاق سراحهم من السجون والمعتقلات، ولأنها ثورات رفعت الإسلاميين إلى قمة السلطة بعد أن كانوا مضطهدين في بلدانهم، كما في تونس ومصر. ولم يترك التيار الجهادي، خاصة رموزه ومشايخه الذين جرّبوا السجون، هذه الفرصة تمر دون الإشادة بالثورات العربية التي أزاحت، حسب رأيهم، "ظلمًا وجورًا كبيرين كانا جاثميْن على صدر الشعوب الإسلامية والعربية"، ثم ردوا جميل هذه الثورات بمحاولة حضور الندوات والمؤتمرات التي تقام في تلك البلدان من طرف جهات إسلامية، سلفية أو غيرها، فزاروا تونس ومصر من أجل تبادل الآراء ووجهات النظر مع النشطاء الإسلاميين،ولا يُخفي بعض أبرز وجوه السلفية بالمغرب، تأييدهم للثورات العربية، ومباركتهم للأنظمة التي جاءت بها رياح الربيع العربي، كما أشادوا بالتصويت على مرشح بمرجعية دينية رئيسًا لمصر باعتباره "أول رئيس أنتجته الثورات العربية بإرادة شعبية". في المقابل، لم يُصرح التيار السلفي التقليدي بمواقف علنية من الثورات العربية، لكنه أصبح بعد الربيع العربي أكثر احتكاكا مع القضايا السياسية المحلية والدولية الكبرى، وذلك على غير عادته؛ فشارك في التصويت على الدستور سنة 2011[1]، كما ترك الهامش واسعًا أمام أتباعه للتصويت في الانتخابات التشريعية في السنة ذاتها لفائدة مرشحي حزب المرجعية الدينية.
بعد مرحلة الاعتقال، ومع بداية الثورات العربية ، تغيرت مواقف التيار الوهابي التكفيري بشكل كبير إزاء التيارات والمكونات الإسلامية الأخرى بالمغرب، من جماعات وحركات إسلامية، جماعات صوفية أو حركات إصلاحية أو أحزاب تنهل من الدين في العمل السياسي؛ فصار أكثر نزوعًا نحو التوافق  عوض الصراع، وبرزت لديه فكرة الحوار مع التيارات الإسلامية الأخرى بدلاً من السجال والجدال. ومن كان منهم قبل سنوات قليلة سوطًا مسلطًا على الآخر، يتهمه بالموالاة للتيار الوهابي بالسعودية وتلقي الأموال، ويلمزه في سمعته، أصبح متغير الحال وانقلبت مواقفه بشكل كبير ليتحدث باحترام عن عدو الأمس ورموزه. ظهرت أرضية مشتركة تحث على المضي في طريق الإصلاح، وتطلب من جماعة صوفية نشطة الجلوس للحوار لمصلحة البلاد.فحصل تقارب بين التيارات ذات المرجعية الدينية ،وأصبحت مطالب مشتركة بين التيارات التي كانت متصارعة، بغض النظر عن الخلافات الفكرية والعقدية، لقد أدت هذه المتغيرات في مواقف التيارين السلفيين في علاقتهما  ببعضهما، ومع التيارات الإسلامية الأخرى، إلى توجيه وهابيات المغرب نحو التخلي عن التكفير، والنظر إيجابيًا إلى العمل السياسي ورفض العنف. لم يعد أي من التيارين الجهادي والتقليدي يرفض بالمطلق العمل السياسي، وإن كان الأول يسعى نحو المشاركة السياسية والجماعية، حيث انتظم بعض رموزه في جمعيات، وانضم إلى أحزاب سياسية، فيما ظل بعضهم يتحدث عن تأسيس جمعية دعوية بنَفَس سياسي لتتحول بعد ذلك إلى جمعية سياسية بنَفَس دعوي. أما البعض الآخر فلا يزال على موقفه الذي لا يرى جدوى من الانخراط في الجمعيات والأحزاب. في المقابل، ركز التيار التقليدي على تحصيل العلم الشرعي.
يلتقي هذا التحول مع تقليد طبع تعامل السلطة المغربية مع التيار الإسلامي عمومًا والوهابي على وجه الخصوص، يتمثل في تغليب سياسية الاحتواء والإدماج على سياسة المواجهة والصدام. وتعزز هذا الاتجاه مع اختيار النظام المغربي نهج الإصلاح بعد احتجاجات حركة 20 فبراير، التي طالبت في سياق الثورات العربية بالديمقراطية والقضاء على الفساد، لذلك فإن الاتجاه الغالب الذي سيطبع مستقبل السلفيين في المغرب هو الاندماج بكل ما يعنيه ذلك من تأثيرات على خطابهم وهياكلهم حيث سيميلون إلى تغليب الطابع الوطني على حساب البعد الأممي. رغم ذلك تظل الرؤية التبديعية عائقا أمام قبول الاختلاف الفكري ،التي تستند إلى مجموع من التأويلات للنص الديني. فهل من حديث في ظل هذه النزعة الإقصائية لهذه الحركة عن مفهوم الفضاء العمومي؟
إذا كان الفضاء العمومي مجالا للفعل والتعبير والحرية ، ومعاني الكونية والشمولية ، فإنه يتخذ في الفكر الإسلامي عامة، والسلفي خاصة دلالات مغايرة، بل ومناقضة للتحديدات السابقة؛ فكما تبين سالفا يمثل الفضاء العمومي مجالا لممارسة الحرية بالفعل، بل تفقد الحرية كل المعاني حين تبتعد عن الجماعة في تفاعلها مع واقعها سياسيا أو اقتصاديا، إنه المجال الذي تحول إلى فضاء اجتماعي تلتقي فيه الحريات وفق قواعد تجعل من القول والفعل ممكنين، باعتباره مجالا للتداول وللتصرف للجميع وليس لفئة أو نخبة محددة، بل يصبح هذا الفضاء كونيا في بعض تصورات الفكر الغربي. ومهما تكن الاختلافات التصورية للفضاء العمومي في هذا الفكر، فإنها تُجمع على مقولات متشابهة، مدارها الحرية والديمقراطية والتداول والتواصل والحوار،  وما إلى ذلك من المفاهيم المؤطرة لهذا الفضاء؛ وبالتالي يتحقق نوع من الاعتراف المتبادل بين الفاعلين، لتتحقق إمكانية التأثير في العالم وفي الحياة، فعوض الصراع والإقصاء والنبذ، يسود التواصل والاختلاف. رغم وجود أصوات فكرية متشبثة بالخلاف عوض الاختلاف، كما هو الحال عند فرانسوا ليوطار، فإن الواقع الغربي أكثر ميلا إلى الاختلاف والحوار، وتحقيق المتوافقات والتوازنات. من هنا يصدر سؤال جوهري لابد من طرحه: كيف تتمثل التيارات السلفية في المغرب هذه المفاهيم المؤسسة للفضاء العمومي؟ هل الحرية التي تتحدث عنها التيارات الأخرى، هي نفس الحرية التي يطالب بها نشطاء هذا التيار؟ وهل يمكن لهذا الأخير أن يدبر مسألة الاختلاف، خاصة بعد تقريب المسافة بينه وبين باقي التيارات الإسلامية ضمن المشهد السياسي المغربي؟ لكن سرعان ما يظهر الإحراج حين يتعلق الأمر بالمكونات التي لا تنهل من المرجعيات الدينية، بل تلك التي تصل إلى حدود معاداة  كل أشكال تديين السياسة، فكيف ينظر التيار السلفي بقسميه إلى الأحزاب الليبرالية والاشتراكية...وإلى الجمعيات الحقوقية المتشبعة بالقيم الحداثية؟ وهل تتلاءم هذه القيم مع مقومات المجتمع المغربي؟ 
 لابد من معرفة طبيعة الخطاب والفعل الذي يتبناه هذا التيار، إذ بمقاربة هذه الإشكالات يمكن تحديد تصوره للفضاء العمومي المغربي. إذا كان هذا الأخير في الفلسفات الغربية ميدانا واقعيا أو افتراضيا تحدث فيه مجموعة من التفاعلات بين الذوات، غايته بناء المشترك الإنساني حيث يمكن للجميع التعبير والتصرف ضمن أخلاقيات محددة وأعراف مضبوطة، فهل يتم فعلا الالتزام بهذه الأخلاقيات في الحوارات والنقاشات بين الأفراد والجماعات داخل المجتمع المغربي؟ وكيف يتم توزيع السلطة داخل فضائنا العمومي في علاقة السياسي بالديني؟
  إن المشترك في تصور المجال العمومي عند الحركات الإسلامية بالمغرب غير وارد، بل يستحيل الإجماع حول تحديد الفضاء العمومي، لذلك يمكن تصنيف هذه الحركات إلى ثلاث أساسية: أولها الطائفة التي ترفض جملة وتفصيلا كل عمل سياسي وهي بذلك جماعة منفعلة لا معنى لها في تحديد الفضاء العمومي، الطائفة الثانية تؤمن بالخيار المسلح وبالعنف كوسيلة لإقامة دولة الخلافة، أما الطائفة الأخيرة فتصالحت مع الممارسة السياسية بعد مراجعات فكرية، والواقع أن هذه الطائفة الأخيرة هي فئة كانت تنتمي إلى الطائفة الثانية، لكنها تراجعت عن مجموعة من الأفكار، خاصة تلك المتعلقة باستخدام العنف. أما الحركات الإسلامية الأخرى فموزعة بين مشارك في السياسة فعليا وتحصل على نصيبه في السلطة، بعد قبوله بالقواعد السياسية على النمط الحداثي، وبين طامح إلى شغل مكانة داخل الحقل السياسي، وبين معارض محتج على السياسة في البلاد تمثله بعض التنظيمات المحظورة، التي تتخذ من الفضاء العمومي أرضية للاستقطاب، شأنها في ذلك شأن باقي التيارات الدينية، بما فيها التيار المنفعل الذي يعتزل السياسة، ويحرم على أتباعه التظاهر والاحتجاج في الشوارع والساحات العمومية، لأن ذلك عندهم دعوة صريحة للفتنة والخروج على ولاة الأمور، وسبب لبداية الفوضى وإراقة الدماء ونهب الممتلكات والاعتداء على الحرمات...في مقابل هذا الانسحاب من الفضاء العمومي في شقه السياسي، وتلك الانفعالية السياسية السلبية، يفعل هذا التيار في الحياة العامة عبر التربية، والتنشئة الاجتماعية، والأنشطة الفكرية، حيث تنشر تعاليمها وترسخ منطلقاتها لدى شريحة اجتماعية عريضة، تنتمي في الغالب إلى فئات عمرية بين الطفولة والشباب، يمثل المجال العمومي  عند هذا التيار إذن، مجال الدعوة إلى مجموع المبادئ التي تفسر كل الظواهر تفسيرات مطلقة، وتدعي امتلاك الحقيقة النهائية واليقين الأقصى، ولهذا الادعاء انعكاسات سلبية على الفضاء العمومي بوصفه عائقا أمام تحقيق التوافق؛ لأنه لا يمكن إقناع من يمتلك الحقيقة المطلقة، ولا يمكنه التراجع عن أفكاره إلا نادرا. تلتقي السلفية العلمية أو الدعوية مع شقيقتها التكفيرية في استخدام الفضاء العمومي كمجال للدعوة. ما هي إذن الدعوة ؟ وكيف تفعل فعلها في الفضاء العمومي المغربي؟
الدعوة رسالة عند تيارات السلفية يلزم تبليغها والمحافظة عليها، وهي جملة من المبادئ والمرتكزات التي ينبغي الخضوع إليها بشكل فردي و جماعي، وأهم المبادئ الدعوية التي تنطلق منها مبدأ: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنه مبدأ يفرض الاحتكاك بالواقع والتأثير فيه، كما يحمل تصورا للفضاء العمومي كمكان مَوْبُوء ينبغي تطهيره من المنكر والفساد. في تطبيق هذا المبدأ اختلفوا؛ بعضهم يرى أن تطبيقه واجب بالنصيحة والموعظة وبالجدال الحسن، بينما يرى البعض الآخر أن تطبيقه رهين باستخدام العنف والتخويف حتى يسير الناس على الطريق القويم . هناك والحالة هاته إمكانية للحوار والنقاش يتيحها أصحاب الموعظة والجدال الحسن مع المختلفين، لكن بنفس استعلائي لمن يمتلك الحقيقة ويسير على خطى الحق. الفضاء العمومي إذن مجال للدعوة وهو بذلك مجال للعبادة، فيه تسود وحدة تطابقية مغرقة في التمسك بالظاهرية، التي تفرز تدينا نمطيا تفترض أنه الشكل الصحيح ، الذي يجب أن يسود وينتشر عبر التلقين الإيديولوجي  والتصلب المذهبي، المؤمن بأن الإسلام فاقد لنقائه و صفائه في الواقع، هذا ما يحول الفضاء العمومي إلى مجال لإعادة سيطرة الدين على كل مناحي الحياة، فيصبح مجالا لتحقق نزعة دينية استعراضية تتشبث بالممارسة العيانية للعقيدة، وتؤكد على الاستقامة الفردية قبل الفعل الاجتماعي، إنه مجال لتطبيق الشريعة سواء بالتدرج أو بغتة ، وبما أنه كذلك فلابد أن يكون أرضية للاستقطاب ولتشكل الطوائف الجزئية التي تغذي الطائفة الأم، وبالتالي فهو الفضاء الذي يجب أن يتحقق فيه التماهي والتشابه عوض الاختلاف والتنوع؛ يبرز هذا التماهي أولا في وحدة المظهر وتميزه عن السائد؛ هناك سَمْت خاص بالرجال وآخر بالنساء يتشابه فيه الكل. ثانيا في وحدة الخطاب وتشابه الأسلوب القولي والمعجم التداولي الذي ينحل في كل تفاصيله من الفكر الديني. ثالثا وأخيرا، تظهر هذه الوحدة في الأسماء المميزة لأعضاء الطائفة عن غيرهم؛ لأنهم يعتبرون أنفسهم خاصة ويطلقون على الغير مسمى: العامة أو العوام. إذا كان الاسم عند اليونان عنوانا لخصوصية الفرد واستقلاله، فإنه عند السلفية خصوصية جماعية إن لم نقل طائفية. أما علاقة المرأة بالفضاء العمومي عند هذه الطائفة فواضح لا لبس فيه، إنها علاقة غياب وانسحاب تام من الفعل السياسي، لأن المكان الملائم للمرأة هو الفضاء الخاص الذي لا يجوز لها مغادرته، و إمكانية تحركاها محدودة ومشروطة بشروط عدة، والحضور الخارجي الخافت لا يكون إلا لأغراض حياتية أو دعوية، حيث لا يوجد من ينشر الدعوة بين النساء سوى النساء. إن الامتثالية المفروضة على النساء وإن كانت أكثر حدة، فإنها لا تختلف في ماهيتها عن تلك المفروضة على الرجال، الذين تظل مشاركتهم السياسية خافتة بتصورهم العقدي للفضاء العمومي، وهذا الأخير لا يعدو كونه إمكانية واقعية لتحقيق الأفضل والأمثل، عبر العودة إلى الحل الوحيد و الأوحد المتمثل في العودة إلى فكر ديني مخصوص، بوصفه المعيار الحاسم  الذي لا يحدد تصور الفضاء العمومي فقط، بل حتى الفضاء الخصوصي يتحدد من خلاله.
لعل العودة إلى هذه الطائفة في تحديدها للفضاء العمومي، طريق إلى فهم كيفية اشتغال البنية الدينية في الحقل السياسي، ولمجموع التحالفات الممكنة بين المكونات الاجتماعية، سواء بين الجماعات ذات المنزع الديني ، أو بينها وبين الجماعات ذات المنزع الحداثي[2]. ولعل من أسباب التفكير في هذه الطائفة عودة الديني في العالم المعاصر بقوة أكثر، إذ أصبحت الجماعات الدينية أكثر قدرة على الانتشار من ذي قبل، نتيجة للتطور التقني في مجال الإعلام والتواصل، قد يكون هذا الانتشار مبررا بأسباب سياسية، يمكن استجلاؤها في فشل السياسات القائمة على تحقيق تطلعات الناس، والوفاء بالوعود، و كانت سببا في حصد الأصوات، مما ولد حالة من انعدام الثقة بين الناس ومن يمثل سياستهم، أو بأسباب اقتصادية تجعل من الفقر المفتاح الذي يفسر عودة وانتشار الفكر الديني. ومهما يكن، تبقى هذه الطائفة مكونا أساسيا من مكونات المجتمع لابد من اعتباره في تحليلنا للبنى السياسية في مجتمعنا المغربي؛ إنها قوى النفي المعاكسة التي تلعب دورا حيويا في حركية التاريخ والمجتمع. كما أنها مثال حي لتحقق موسمية فعل المواطنة، الذي يمكن تأطيره بأي إيديولوجية كانت، دون ضرورة كونها متشبعة بقيم المواطنة، فالولاءات داخل المجتمع لا تمر عبر التنظيمات السياسية، لذلك تصير الممارسة السياسية صورية منفصلة عن الواقع، و تصبح للشعب صفة افتراضية علاقتها بالواقع ملتبسة.



[1] عبد الحكيم أبو اللوز، الحركات السلفية في المغرب بحث انثروبولوجي سوسيولوجي، مركز دراسات الوحدة بيروت، الطبعة الثانية 2013 ، ص 400 .
[2] رشيد مقتدر، الإسلاميون دراسات في السياسة والفكر، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2013 ، ص 196 .

الأربعاء، 26 فبراير 2020

الشرط السياسي المغربي الإمكان و الاستحالة

فبراير 26, 2020 0
الشرط السياسي المغربي بين الإمكان و الاستحالة
يمكننا أن نطلق على مسار الممارسة السياسية في المغرب المعاصر، مسمى الشرط المغربي الذي طبعته تحولات متباينة، و النزوع نحو عملية دمقرطة لم تكتمل بعد، و حفاظ السلطة على بنياتها التقليدية، و غياب مفهوم الشعب ضمن التداول السياسي، حيث ظل محصورا بين الولاء للقبيلة أو الطائفة الدينية أو الأسرية، من هنا يرتبط الشرط  بالمشاركة التي طالما حاول المجتمع المغربي تحقيقها، و بالانتقال الديمقراطي عسير المخاض، كتعبير عن صعوبة في تشكل فضاء عمومي حر و متسامح مع المخالف. المجتمع المغربي مشروط ببنيات سلطوية تقليدية، و في نفس الآن ببنيات ثقافية و إيديولوجية تحديثية تقدمية، دون وجود أي تعارض بين النمطين؛ لم يعد للسلطة الدينية دخل في السلطة السياسية، لكنها حافظت على سلطتها تلك في المجتمع، بينما كانت في السابق متحكمة فيهما معا، لكنها لم تنسحب رغم ذلك من  المجال السياسي، كما تحولت التمثيليات النيابية إلى شكل جديد من التعبير عن العصبية  القبلية، في أجواء فقدان الثقة في الأحزاب السياسية و سرعة انتشار المعلومة و تزايد الوعي السياسي الشعبي. لا يمكن إنكار ظهور الأزمة على أصعدة مختلفة، بداية من السياسي مرورا بالاقتصادي و الاجتماعي، وصولا إلى ما هو ثقافي   و فني، و هي الأزمة التي شرطت المغرب المعاصر و مازالت مستمرة في عرقلة الانتقال إلى مرحلة التقدم؛ و أول الانتقالات التي لم يكتب لها التحقق بعد، الانتقال الديمقراطي الذي عبرت عنه الدساتير المتتالية، بوصفها تعديلات لبعضها البعض، وجسدته ضبابية أدوار الأحزاب و المجتمع المدني، و أكده فشل المخططات و المشاريع التنموية التي وضعتها الحكومات المتتالية، إضافة إلى ما سلف، يمكن الكشف عن الأزمة التي تشرط الوضع المغربي في سوء توزيع الثروة، وفي تأزم الهوية   و الأخلاق، كذلك في تراجع أدوار القطاعات الاجتماعية الحيوية،  بما يطرح من إشكاليات متصلة بالتعليم و التطبيب و التشغيل...، بكلمة واحدة بالمصير في ظل الأوضاع المتأزمة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي؛ إذ لا يمكن إغفال العلاقة المتشنجة للمغرب بجيرانه، أثناء الحديث عن الشرط المغربي، و هي العلاقة التي تتغذى من صراع حول السيادة، لكنها تنعكس على السياسة الداخلية و تؤثر فيها تأثيرا كبيرا، كما لا يمكن القفز على تقهقر الوضع الحقوقي في المغرب، و هو الأمر الذي يعيق قيام كيانات مدنية و اجتماعية، يكون بإمكان إرادتها التأثير في قرارات سلطة الدولة.
إن النزعة الإصلاحية التكرارية لأكبر دليل على هذا الوضع المأزوم، إذ لم تفلح كل الإصلاحات التي شملت عدد من المجالات و القطاعات الحيوية، بل وجدت نفسها في حالة من إصلاح الإصلاح وفق عملية تسلسلية أفرغت من غاياتها و وظائفها، لأن مكمن الداء هو صعوبة تنزيل مقتضيات الدساتير و المواثيق على أرض الواقع، حيث يمكننا ملاحظة ذلك بيسر كبير في الانفصال بين التصورات النظرية للمشاريع و أهدافها المسطرة، و بين الأهداف المتحققة على أرض الواقع، سواء تعلق الأمر بتلك المختصة بالمجالات الاجتماعية الاقتصادية، أو المرتبطة بميادين السياسة  و الحقوق، أو بفضاءات الثقافة و الإبداع. و لعل تلك النزعة التكرارية هي ما يمنع الثقافة و المثقف من النفاذ في المجتمع، خاصة و أن مفهوم النخبة في المغرب لا يشمل المثقفين، و لا تحتل الثقافة مكانة بين الأوساط العريضة من المجتمع. ليست هذه النزعة منفردة ما يشرط الوضع السياسي المغربي، بل ينضاف إليها الدور الذي تلعبه النخب وطريقة تشكلها؛ إذ تتحدد النخبة كفئة حاكمة لها انتماءات عائلية وأسرية مخصوصة، تحرص على إقامة روابط بينها حفظا لانغلاقها على ذاتها. إن هذا الانغلاق هو السبب المباشر في عدم اكتمال مفهوم الشعب، و في عدم تأثيره على الحياة السياسية، فرغم إرهاصات تشكله إبان الصراع ضد الاحتلال الفرنسي، انسحب من المشهد السياسي منذ الاستقلال فاسحا المجال للروابط القبلية والعرقية و الأسرية، خاصة مع الطفرة الديموغرافية التي يشهدها المغرب المعاصر، و مع التغير في بنية المجالين القروي و الحضري، و تغير العلاقة بينهما؛ فمن جهة ساهم التزايد السكاني في طغيان نزعة فردية فتتت القيم الاجتماعية التقليدية، و من جهة أخرى تراجعت نسبة سكان البوادي مقارنة مع المدن، و تحولت أراضي فلاحية إلى مناطق سكنية، فتحولت وسائل الإنتاج إلى أدوات استهلاكية، مع ظهور فئة اجتماعية جديدة تحولت من نشاطات زراعية، إلى نشطات أخرى خاصة التجارية منها، إذ استبدلت هذه الفئة الأرض باعتبارها رأسمال عيني بالنقود كرأسمال منقول، هذا الظهور الفجائي للفئات الاجتماعية و الهيآت السياسية و الشخصيات العمومية، ظواهر تطبع المجتمع المغربي و تشرطه في الآن ذاته، فلم تعد النخب هي التي تُصنع في المغرب فقط، بل صارت الفئات الاجتماعية و التشكيلات السياسية نتاجا مُصنعا ضمن منظومة محددة. من المعلوم الدور الحيوي الذي يلعبه الإعلام بوصفه جهازا إيديولوجيا من أجهزة الدولة في هذه الصناعة للنماذج الفردية والجماعية، و ليست خافية المضامين و التوجهات التي تحكم الإعلام في المغرب؛ في علاقته بالسلطة السياسية و الدينية   و سلطة الأعيان و الشرفاء، و في علاقته بكل جماعات الضغط المؤثرة داخل المجتمع. لقد أصبح محددا لنمط العيش خاصة بعد دخول الكهرباء إلى العالم القروي، مما سمح للإعلام بالنفاذ إلى كل الشرائح الاجتماعية، و صار مقياسا للوعي و الذوق الجمعيين، بما أنه خارج رقابة المجتمع المدني في ظل غياب هيآت و جمعيات مستقلة ذات سلطة، يمكنها التأثير في وظيفته و غاياته بما أن الإعلام مؤسسة لتربية ليس الأحداث فقط بل البالغين من المواطنين كذلك؛ يمكننا في قراءة المجتمع من إعلامه أن نستشف الكثير من الدلالات المرتبطة بما هو سياسي و اجتماعي؛ أولها مسألة الهوية و ما تطرحه من إشكاليات، و ثانيها و ليس آخرها، المزاوجة بين النزعات التقدمية الحداثية و المنابع الدينية التقليدية، يكاد يعلن الإعلام عن أزمة قيم أو بالأحرى، عن  قيم جديدة لواقع مأزوم.
   ألن يكون من باب المبالغة شرط الوضع السياسي و الاجتماعي للمغرب بالواقع المأزوم؟ أليس هذا الافتراض واقعيا رغم سوداويته و جنائزية نبرته؟  ما هي و الحالة هاته الإمكانيات للخروج من هذا الواقع المأزوم؟ أم يحتاج الأمر إلى سلطة سياسية و ليس إلى سلطة معرفية أو ثقافية؟. ليس الأجوبة على هذه الأسئلة بالأمر اليسير، لكن طرحها، يفتح أمامنا على الأقل فرصة للتفكير في واقعنا الراهن، و يسمح بالكشف عن إمكانيات للتحقق و عن المستحيلات الممتنعة. أول تلك الإمكانيات العودة التدريجية إلى الهوية الوطنية، خاصة و أن الأجيال الصاعدة لم تتأثر بثقافة واحدة مفروضة، بل تأثرت بثقافات متعددة بعضها قسرا و بعضها اختيارا، لكنها الأجيال التي تبحث لنفسها عن هويتها الجماعية في ظل التعددية الثقافية، و في خضم تأثيرات الحداثة والعصرنة، كما أنها الأجيال المُنسحبة إلى عالم افتراضي، بوصفه بديلا للفضاء العمومي المفقود في الواقع، ولأن للعالم الافتراضي تأثير في الواقع كما أثبتت العديد من التجارب، تبقى إمكانية تحقيق التحول السياسي والاجتماعي انطلاقا من هذا الفضاء العمومي الافتراضي؛ هنا صارت إمكانية اقتحام الطابوهات و تحطيم الأوثان و إبداء الرأي بكل حرية، و رغم الرقابة التي تمارسها الدولة على هذا العالم الافتراضي، فإنها لم تستطع إلى حد الآن التحكم في نشاطات الأفراد و المجموعات، خاصة في أجواء انشغال أمنها الإلكتروني بكشف و تتبع النشاطات الإرهابية على الشبكة. يمكن أن يتشكل الشعب بمفهومه السياسي الحديث و المعاصر انطلاقا من نشطات العالم الافتراضي، حيث قد تؤدي النقاشات و المناظرات و الحوارات و الأعمال الفنية المنفلتة من الأدوات الرقابية الرسمية، إلى تشكل و ازدهار وعي سياسي يوحد المكونات الاجتماعية، فتتحول إلى قوة مؤثرة في القرارات المصيرية؛ انكشفت مع هذا العالم الافتراضي حقائق تتعلق ببعض المؤسسات، التي طالما أحيطت بالسرية و الغموض، لكن انشقاق بعض العناصر المنتسبين إلى تلك المؤسسات عنها، أخرج إلى العلن عددا من الوقائع التي لم يكن يجرأ أحد التحدث عنها، و كانت وسائل التواصل و المنصات و المواقع في العلم الافتراضي أفصل وسيلة لتعميم الحقيقة و تعويمها؛ خرج إلى العلن عدد من الضباط و العسكريين كاشفين عن أسرار المؤسسة العسكرية، و البعض الآخر يفضح ألاعيب المؤسسات الاستخباراتية، ليتحولوا إلى معارضين سياسيين من الخارج، بل منهم من حاول إنشاء حزب سياسي من ديار المهجر كما سلف الذكر. يعدنا العالم الافتراضي بالكثير من الانكشاف، كما يعدنا باتساع دائرة الضوء حول القضايا المعتمة، لكنه قد يتحول إلى شكل من إشكال التنفيس الجماعي، و تبقى النقاشات و الحوارات حبيسة عالمها الافتراضي دون أن تؤثر في الواقع، و دون أن تساهم في إنشاء وعي جماعي أو ازدهاره.
  قد تكون إمكانيات أخرى في لجة هذا الشرط المغربي، لكن ملامحها لم تتضح بعد و لم تتكشف إرهاصاتها، وهي قائمة بالقوة باعتبارها إمكانيات فقط، أما الاستحالة فتبدو موجودة بالفعل في مظاهر متباينة، أبرزها و ليس أهمها، انتفاء إمكانية لتحديد الديني خارج الاجتماعي أولا و السياسي ثانيا، و إذا كان حضور الديني اجتماعيا لا يعيق المسار الديمقراطي، فإن حضوره في السياسي لا يحرر تداول السلطة من أطره التقليدية، و هو التحرير الذي يبدو مستحيلا ضمن ذلك الشرط، حيث تتدخل الدولة في تدبير و تسيير القطاع الديني، الذي يخضع لتراتبية سلطوية إدارية تنتهي عند أعلى سلطة دينية في الدولة و هي إمارة المؤمنين، من ثمة لا يمكن الحديث عن الحياة السياسية بمعناها العلماني المحض، بل تتحدد هذه الحياة كمزيج من المبادئ الدينية و القيم العلمانية، كما أن تغلغل الديني بأشكاله  المتنوعة، و إن كانت محصورة حاليا بين شكلين إذا استثنينا الشكل الرسمي، أي التيار الصوفي المنتشر في المجتمع، و التيار السلفي المتصاعد الاستقطاب، لا يمكن تجاوزه أو نفيه من التفكير و السلوك السياسيين؛ فقد درجت السياسة على استخدام الدين كلما دعت الحاجة، ليس في المغرب فقط بل في العالم كله، بما في ذلك الدول التي لا تدين بدين لكنها تدين بقوانينها. يستحيل علينا إذن تصور المجتمع المغربي في صيغة علمانية محضة، كما يستحيل النظر إليه كمجتمع ديني رغم تدين أفراده، لكنه يظل مع ذلك مجالا خصبا و مؤهلا لاستثمار الخطاب الديني لأغراض سياسية و إيديولوجية،توازي هذا الوضع الهلامي للمجتمع سديمية السلطة السياسية، فهذه الأخيرة لم تستطع التخلي عن الاهتمام بالشأن الديني، رغم فقدان رجال الدين سلطتهم السياسية التي تمتعوا بها خلال فترة من الزمن، لم تعد لهم القدرة على فرض بيعة مشروطة، بل تحول الفقهاء إلى موظفين في الدولة وظيفتهم الأساسية حراسة الشريعة. لكن وضع باقي مكونات الحقل الديني في المغرب مختلف عن هذا المكون؛ فهي تروج لخطابات دينية مختلفة عن الخطابات الرسمية، و إن التقت في كثير من النقط المشتركة، لكنها في جوهرها خطابات مبطنة بإيديولوجياتها الخاصة، فبينما يحاول بعض الصوفية إقرار نموذج الخلافة، تجنح السلفية الجهادية إلى نفس النموذج،و تتوقف الدعوية منها عن خوض السياسة، في إقرار منها بمبدأ الأمير المتغلب المعلق العمل به. إنها جميعا تتطلع لنموذج سياسي ديني، و من ثمة ضرورة ضبط المجال الديني و إعادة هيكلته من طرف السلطة السياسية، إذ يتعلق الأمر بإدارة للصراع حول الحقيقة، على اعتبار استحالة التخلي عن امتلاك هذه الأخيرة في ممارسة السياسة، من هنا استحالة فصل الديني عن السياسي في الواقع المغربي المعاصر.
ليست الاستحالة مقصورة على فصل الديني عن السياسي، بل تطال علاقات أخرى بين مكونات الحياة السياسية، مثال ذلك العلاقات بين الأحزاب التي يطبعها التوتر و الصراع حول النفوذ السياسي، متناسية في الكثير من الأحيان المصلحة العليا للوطن، لربما يصعد ذلك بأصله إلى غياب مفهوم الوطن و قيم الوطنية في ممارسات الكثير من الأحزاب و التشكيلات السياسية. تطال الاستحالة أيضا بناء الوعي الشعبي في أمد قصير، أو في غياب إرادة سياسية تنشد ثورة ثقافية تعيد تشكيل الشعب بصفته القوة السياسية الأولى و الأخيرة الدولة، إذ لا يمكن الحديث عن أي نوع من الإصلاح و الرقي، دون إصلاح الذهنيات و رتق الفتق الموجود بين الفرد والدولة، و دون محو البون الشاسع بين الأفراد و الممارسة السياسية، التي تخضع في الكثير من الأحوال إلى قواعد مغايرة تماما لقيم المواطنة و الديمقراطية، حيث تتحول هذه الأخيرة في مجموعة من الإجراءات،  وتتحول إلى مجرد أداة موسمية مرتبطة بالصناديق و الأصوات.
يبقى غياب المشاركة الشعبية في الشأن العام العائق الحقيقي للانتقال الديمقراطي، و لأي إصلاح مهما كان مجاله أو القطاع الذي يستهدف، و هو الغياب الذي يجد مبرراته إضافة إلى ما تمت الإشارة إليه- من حفاظ السلطة على بنياتها التقليدية و تراجع لأدوار الأحزاب، و غيرها من الأمور التي تشرط الوضع السياسي في المغرب المعاصر- في نظرة العامة من الناس في المغرب إلى السياسة، و اعتبارها من الطابوهات التي يُحرم الخوض فيها، بل مجرد التفكير فيها أو تناول مسائلها علنا ممنوع و محرم، فاقترنت حرمة السياسي بقدسية الديني في مزيج متجانس، ما زال يحكم و يوجه وعي الأفراد و الجماعات، و كأن الأمر في حاجة إلى ثورة ثقافية تحرر الفرد المغربي من خوفه الموروث عن سنوات النار و الرصاص ، أي إخراج الفرد من حالة القصور و الوصاية السياسيين، إلى حالة الكفاءة العقلية و الأخلاقية بوصفه مواطنا كامل المواطنة، فهل يغيب مفهوم المواطن لنفس الأسباب التي غَيَّبت مفهوم الشعب؟ أم أن لهذا الغياب أسبابه التاريخية  و العقدية التي تتجاوز الإرادة، فردية كانت أو جماعية ؟

الثلاثاء، 25 فبراير 2020

التحولات الدستورية و صورية العمل السياسي

فبراير 25, 2020 0
التحولات الدستورية و صورية العمل السياسي
بدأ التفكير في الدستور منذ وقت مبكر من تاريخنا المعاصر، لكننا نجد أصول التعاقد بين الشعب و النظام الحاكم، في مفهوم البيعة الذي كان أول ميثاق بين الطرفين، حيث كانت تأتي مكتوبة من كل مدينة و قبيلة على حدة، لكنها كانت تعبيرا في الواقع عن العلاقة النظام الحاكم و الأعيان و شيوخ القبائل و الزوايا، كما كان للفقهاء سلطة قوية في هذا التعاقد الأولي، و احتلت الفتوة مكانة مركزية في الحياة السياسية، كما كانت المساجد فضاء عموميا لتوجيه الرأي العام، ورغم الطبيعة الدينية لهذا التعاقد، فإنها عبرت عن انقسام السلطة السياسية، بين نظام الحكم و من يمكن اعتبارهم ناطقين باسم العامة من الناس، إذ تُظهر لنا البيعة المشروطة لسنة 1908 واقعية هذا الانقسام " توالت رسوم البيعة من مختلف جهة الإيالة الشريفة تعلن السمع و الطاعة لظل الله في الأرض دون قيد أو شرط... و لم يشذ عن هذه القاعدة إلا علماء فاس. فقد رأى أنشطهم محمد بن عبد الكبير الكتاني أن تتضمن بيعة أهل الحاضرة الإدريسية مجموعة من الشروط تتعلق بالحفاظ على استقلال المغرب"[1]، كما يبرز مشروع الدستور لنفس السنة بداية الاهتمام بهذه الوثيقة التأسيسية، و هو الاهتمام الذي بدأ في الدولة العثمانية منذ سنة 1876، لكنه واجه عدة عراقيل و ظل العمل به معلقا عشرات السنين. أجهضت المحاولات التأسيسية في مغرب الحماية، و أصبح الوضع مختلفا في ظل تقسيم السيادة، ليتوقف ذلك التطور الذاتي الداخلي الذي بدأ يتبلور، و تم طمر مبدأ التعاقد الأولي الذي كان مُؤطرا ضمن مقاربة دينية، لكنه مع ذلك بناء ذاتي و إن افتقد للمشاركة الشعبية، أي أن الدستور ما قبل الحماية كان مشكلا من طرف جمعية تأسيسية، مثلها الفقهاء و الأعيان أولا، ثم المثقفون المغاربة لاحقا، رغم أن هؤلاء و أولئك لم يكونوا منتخبين من طرف الشعب." في بداية 1905، عرف المغرب ميلاد أول مجلس للأعيان، يمثل بعض المدن و القبائل، لعب دورا كبيرا في مناقشة مشروع لإصلاحات حاولت فرنسا فرضها على المغرب..."[2]، و قد حاول مشروع الدستور الأول تحديد الهيئات السياسية الأولى، حيث عرفت المادة 35 منتدى الشورى على أنه مؤلف من هيئتين: مجلس الأمة و مجلس الشرفاء، لكنه ظل مع ذلك يضمر إطلاقية سلطة المخزن، من خلال عدد من المواد التي تضع السلطان في أعلى هرم السلطة، بينما حاولت بعض المواد الأخرى ضمان حرية أعضاء منتدى الشورى، نقرأ في المادة 39 التالي:" كل عضو من أعضاء منتدى الشورى حر في آرائه لا خوف عليه من المخزن و رجاله..."[3]، تعبر هذه المادة عن تلك السلطة المطلقة التي كان يتمتع بها المخزن و أعوانه، كما تعبر عن جوهرية مطلب الحرية في الحياة السياسية المغربية، منذ البدايات الأولى لتكونها على الشاكلة العصرية. أما أول دستور تم إقراره عن طريق الاستفتاء فهو دستور 1962، الذي أعقبته انتخابات 1963 التي أنتجت أزمة في سير الحكومة و البرلمان، انتهت بحل هذا الأخير وإعلان حالة الاستثناء سنة 1965، بعد انعدام أغلبية عددية التي تكون الأداة البرلمانية لاستقرار الحياة السياسية، و انعدام الائتلاف الوطني لتعذر تشكل الأغلبية، مما أنتج جمودا للمؤسسات التمثيلية و أزمة ديمقراطية حقيقية، إذ شهدت هذه المرحلة صراعا حزبيا أفضى إلى انسداد أفق الممارسة السياسية، فبعد الصراع مع الملكية مطلع الستينات انتهى بتشكيل مجلس دستور معين سنة 1960، تحولت للصراع ضد بعضها البعض، و صارت الانشقاقات الداخلية للأحزاب سنة سياسية، لازالت تطبع الحياة السياسية المغربية إلى يوم الناس هذا. لكن القانون الأساسي لسنة 1961 كان إعلانا عن التأسيس للملكية الدستورية، و تمهيدا لصياغة دستور للبلاد و لنشأة الحياة النيابية للأمة، لكن هذه العملية لم تكن سلسة و لا انسيابية، حيث عارضت بعض القوى السياسية دستور 1962، أشهرها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي قاطع الاستفتاء، لذلك يعتبره البعض دستورا ممنوحا، يهمش الأحزاب و يمنح الحكومة أدوارا ثانوية، بينما حافظ على سلطة العاهل المطلقة و المتعالية، بوصفه زعيما دينيا مُقدسا و بوصفه القائم بعدة وظائف جوهرية في الدولة، يحق للملك مثلا حسب الفصل 27 من هذا الدستور حل البرلمان، كما لا يحق لهذا الأخير مناقشة مضامين الخطابات الملكية، كما أن الملك رئيس لعدد من المجالس العليا، و رغم كثرة الفصول التي تؤكد سلطة الملك المطلقة، فإن الفصل 110 و هو آخر الفصول أكثرها دلالة، حيث يقر التالي:" إلى أن يتم تنصيب البرلمان يتخذ جلالة الملك التدابير التشريعية و التنظيمية اللازمة لإقامة المؤسسات الدستورية و لتدبير شؤون الدولة"[4]. لم يكن تعديل سنة 1970 أوفر حظا، إذ لقي رفضا من جانب المعارضة ممثلة في حزب الاستقلال و الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، التي دعت الشعب إلى التصويت بلا على التعديلات، بعد تشكيل كتلة وطنية دعا ميثاقها التأسيسي إلى إرساء ديمقراطية سياسية و اقتصادية و اجتماعية حقيقية، وظلت سلطة الملك مطلقة متعالية لا يمكن الاعتراض على إرادتها، ذلك ما يقره الفصل 37 الذي يمنع اعتقال أي عضو من أعضاء البرلمان بسبب رأيه، ما عدا إذا كان الرأي يجادل في النظام الملكي، أو الدين الإسلامي أو يتضمن ما يخل بالاحترام الواجب للملك. كذلك رفضت قوى المعارضة دستور 1972، الذي جُمد العمل به إلى حدود سنة 1977، " لم تستأنف الحياة الدستورية إلا ابتداء من 14 أكتوبر 1977 في إطار ما سمي حينها بالمسلسل الديمقراطي الذي دشن بإجراء انتخابات محلية و تشريعية تدخلت الإدارة فيها بشكل مباشر لصالح مرشحي المخزن و هو ما أفرغ المسلسل من محتواه. فقد أمسى البرلمان مجرد غرفة تسجيل و الحكومة أداة طيعة في يد الحسن الثاني. و هو أمر ظل ساريا رغم توالي الأزمات السياسية و الاقتصادية حتى مطلع التسعينيات." [5].
   مع انهيار جدار برلين شهد العالم تحولات جوهرية، كان لها تأثيرها على الحياة السياسية في المغرب، فبدأت أحزاب المعارضة ممثلة في حزب الاستقلال و الاتحاد الاشتراكي، بمحاولة إحياء مسلسل الانتقال الديمقراطي منذ 1989، حيث ظهر في برامج الحزبين مطلب تعديل موسع للدستور، و في سنة 1992 تقدمت خمسة أحزاب باسم الكتلة الديمقراطية بمذكرة مفصلة في الموضوع للقصر، لكن عدم استجابة هذا الأخير، دفعت مكونات الكتلة باستثناء حزب التقدم و الاشتراكية إلى دعوة المواطنين لمقاطعة الاستفتاء دون جدوى، إذ اعتمد الدستور الجديد بعد أن أعلنت السلطة  نسبة مشاركة 100 بالمائة تقريبا، و لم يأت هذا الدستور بجديد مختلف عن سابقيه، لكن دستور سنة 1996 كان متقدما مقارنة بسابقيه، حيث تضمن بعض مطالب المعارضة التي توافقت مع الإكراهات الدولية، خاصة تلك المتعلقة بحقوق الإنسان و الحريات العامة، إضافة لتحديده علاقة السلطة التشريعية و التنفيذية، و إصلاح الإدارة و القضاء و ضمان انتخابات نزيهة، هذه المرة دعت الكتلة إلى التصويت بنعم على الدستور، وتمكنت أحزاب المعارضة من الولوج إلى بعض المناصب الحكومية، و هو ما تتوج بتشكيل حكومة التناوب سنة 1998. استمر العمل بهذا الدستور إلى حدود سنة 2011، حين تصاعدت موجات الاحتجاج في العالم العربي كما في المغرب، و أوكلت مهمة تعديل الدستور إلى لجنة ملكية معينة، و ليس إلى هيأة منتخبة أو لجنة مختارة، فكانت الوثيقة الجديدة توفيقا بين سيادة الأمة و الفصل بين السلط و حقوق الإنسان، و بين سلطات الملك كمكمن للسيادة، كما أحدثت هيئات للنهوض بالتنمية البشرية و المستدامة و الديمقراطية التشاركية، و أخرى للنهوض بحقوق الإنسان و الحريات العامة، و غيرها من الهيئات و المجالس العليا المستحدثة. لكن نتائج هذه التعديلات لم تؤت أكلها، و لم تحقق ما كان مأمولا و موعودا منها، إذ استمر التعثر الحكومي و شلل الحياة السياسية في ظل الدستور الجديد، كما استمرت الاحتجاجات الشعبية التي لم تتجاوز دائرة المطالب الاجتماعية و الاقتصادية، سواء في مدينة الحسيمة أو جرادة كان الواقع الاقتصادي و الاجتماعي المزري، سببا في خروج المواطنين إلى الفضاءات العمومية، علاوة على فشل الإصلاحات القطاعية و التنموية.
   لقد كانت الإصلاحات الدستورية في المغرب منذ بدايتها، إعلانا عن وجود الأزمة لا بد من تجاوزها، لكنها عبرت في الوقت ذاته عن إرادة تأسيس الحياة السياسية، وفق نموذج يزاوج بين الحداثة و القدامة، بين التقليد و الإبداع، و بين الديني اللاهوتي و العلماني الناسوتي. لقد تمظهرت النزعة الإصلاحية للدساتير المتعاقبة بالمغرب، في مجموع المخططات التنموية المتتالية؛ منذ المخطط الخماسي بين 1960 و 1964 الذي كان همه إعادة هيكلة النظام الاقتصادي المغربي، من أجل تحريره من الخط الاستعماري الذي وضعته فرنسا، لكن تم تجديد إستراتيجية المخطط و صار الاتجاه نحو مواجهة البطالة   و إنعاش الشغل كأساس لأي مشروع تنموي، و بين 1965 و 1968 ركز المخطط على الفلاحة و الصادرات  و السياحة، و شجع على سياسة ليبرالية في مجال الاقتصاد، فتوجه استثمار الدولة نحو إنشاء السدود لإنعاش تصدير المنتجات الفلاحية، و أنشئت سلسلة فنادق لإنعاش القطاع السياحي. وعلى نفس الشاكلة جاءت مخططات 1968-1972  و 1973-1977 ثم 1978-1980 و 1983-1987، وصولا إلى برنامج الأولويات الاجتماعية 1993 و مخطط التنمية 2000-2004، و المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، ثم المخطط الأخضر سنة 2008. رغم هذه المخططات  و الإصلاحات ظل المغرب متأخرا في سلم مؤشرات العالمية للتنمية، حيث احتل الرتبة 126 مع ناميبيا سنة 2015 من أصل 176 رتبة[6]، بل جاء متأخرا عن الدول العربية التي شهدت اضطرابات سياسية، مثل مصر و العراق بل ودول تناضل من أجل استقلالها كفلسطين، ينضاف إلى تقرير الأمم المتحدة إقرار السلطة الحاكمة بفشل النموذج التنموي، و لعل لهذا الإقرار و تلك الرتبة دلالته المرتبطة بصورية الإصلاحات الدستورية، و عسر تفعيل مقتضياتها على أرض الواقع، كذلك تدل مطالب بعض الأحزاب بمقاطعة التعديلات الدستورية، و تسجيل نسب مشاركة مرتفعة، على هذه الصورية التي أفرغت الممارسة السياسية من مضمونها الحقيقي، حتى بلغ الأمر إلى تراجع الحس الوطني لدى الناس، و ظهر ما يمكن أن نطلق عليه مُسمى الحماية الجديدة، التي تتجسد في تطلع شريحة عريضة من الشباب للهجرة خارج المغرب، سواء أكانوا من الفئات البسيطة أو المتعلمة، فتمت الاستعاضة بالتأشيرة على وثيقة الحماية التي سعى إليها بعض المغاربة إبان الاحتلال الفرنسي. تحولت الدول التي كانت إلى أمس قريب رمزا للقهر و الاضطهاد، إلى ملاجئ للمضطهدين و المتطلعين للحرية   و الديمقراطية، لكن هذه الهجرة المأمولة و الاضطرارية تستنزف الطاقات البشرية للبلاد، و تؤدي إلى نزعة فردية ينفصل بموجبها الشخص عن الجماعة، و لا يقرن مصيره بمصيرها، بل يسعى جاهدا لإيجاد حلول فردية، خاصة في ظل أزمة الثقة التي تجذرت بعد إخفاق النماذج التنموية الكبرى، و تراجع الأحزاب عن أدوارها التأطيرية و التوعوية، و فقدانها في الآن ذاته قوتها الإقتراحية.  
   لم تقتصر صورية العمل السياسي على انسحاب الأحزاب، بل يظهر كذلك في تراجع فكرة الملكية البرلمانية، مقابل حضورها القوي في الحوار العمومي حول المراجعة الدستورية، و رغم تحول هذه الفكرة من كونها شعارا استراتيجيا للتعبئة، إلى مطلب مرحلي مثل بؤرة الإصلاحات، لكنها لم تكن حاضرة في نصوص الدستور الجديد، حيث يتحدد نظام الحكم بالمغرب كنظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية و اجتماعية، و مقومات النظام الدستوري في فصل السلطة،و الديمقراطية المواطنة و التشاركية، و في مبادئ الحكامة الجيدة و ربط المسؤولية بالمحاسبة. هذه العبارات العمومية تبقى غامضة و ملتبسة، لأن تراتبرية السلطة حافظت على نسقها التقليدي، " فمقابل التنصيص على مطابقة الحكومة للسلطة التنفيذية في منطوق الدستور، نجد استمرارية تحكم الملك في توجيه مسار السلطة التنفيذية..."[7]. لقد أثبتت التجربة السياسية منذ الدستور الجديد صورية السلطة التنفيذية، حيث تمظهر في عجزها عن تدبير الملفات الكبرى، و محدودية سلطتها في مواجهة مؤسسات و جماعات الضغط، إضافة إلى عدم قدرتها على تفعيل المبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بوصفه مبدأ دستوري يمكن اعتباره المحرك الحقيقي للإصلاح، بل أكثر تعبير عن هذه الصورية هو المقاربات الأمنية للحركات الاحتجاجية الشعبية، و التي لم تختلف عن مقاربات السنوات الماضية، إذ لم تفشل الأوراش التنموية فقط، بل أفلست الوعود الحقوقية التي جاء بها دستور 2011.  
   نجد في تأسيس بعض الأحزاب بعد إقرار الدستور الجديد، دلالة على صورية العمل السياسي في المغرب المعاصر،و التي قامت على دعوة أساسية، و هي التأكيد على مطلب الملكية البرلمانية، مثل الحزب المعارض للنظام المغربي، الذي أطلق على نفسه حزب الشباب الديمقراطي المغربي، شكله عدد من الشباب المغاربة اللاجئين سياسيا في اسبانيا، يضاف إلى ذلك سؤال: أين الثروة؟ الذي يعبر عن صورية مبدأ المحاسبة، حيث تم الكشف عن الكثير من قضايا الفساد، التي لم يكن للسلطة القضائية أي تدخل فيها، و هذا دليل واضح على تلك الصورية، إذ لم يتم تفعيل المبادئ و القيم التي جاء بها الدستور، وظلت الممارسة السياسية رهينة الجمود، و لم تتحقق المشروع الديمقراطي الذي لم يفقد طبيعته الانتقالية، كما سبق الوقوف على ذلك؛ تحول هذا العمل إلى حرفة أو وظيفة، ترتبط بمهام التسيير و الإدارة أكثر من أي شيء آخر، " يؤمن امتهان العمل السياسي الشعور بالقوة حتى لو لم يشغل من يمتهن العمل السياسي إلا مراكز صورية متواضعة"[8]، فحسب ماكس فيبر لا بد أن يتصف السياسي بالصفات الثلاث التالية: الشغف و الشعور بالمسؤولية و بعد النظر، و هي صفات مترابطة مع بعضها البعض، حيث يمكن للشغف مثلا أن يؤدي إلى فوضى سياسية و اجتماعية، إذا لم يكن مرتبطا ببعد النظر، كما أن الشعور بالمسؤولية لا ينفصل عن القصية التي يؤمن بها السياسي، و إلا اتصف بالانفعال السياسي العقيم. يكون افتقار المشهد السياسي لهذه الصفات، هو السبب المباشر في تحول العمل السياسي إلى مجرد إجراءات عقيمة و متكلسة، لا تنعكس على الحياة اليومية للبسطاء من الناس، ذلك هو الحال في المغرب، فربما كان غياب تلك الصفات في السياسيين المغاربة، أو في جلهم على الأقل، سببا فيما آلت إليه الحياة السياسية، إذ لا يمكننا تفسير جمودها و فشل مشاريعها إلا بغياب الرؤية البعيدة و المتأملة، فليس أضر على السياسية من عدم تبني رؤية واضحة عن الأهداف و الغايات، و كذا الوسائل و الإمكانيات المتوفرة للدولة. " وفي نهاية الأمر، لا نجد في مجال السياسة إلا نوعين من الخطايا المميتة: عدم الدفاع عن أي قضية  و انعدام المسؤولية..."[9]. فإذا كانت السلطة شرطا أساسيا في السياسة، فإن الرغبة في السلطة ليس لها نفع على المجتمع ، بل تكون في كل الأحوال مجرد سبب لصورية الممارسة السياسية.
انتهينا إلى مجتمع بلا معارضة على حد تعبير هربرت ماركوز، و صار مجتمعنا أحادي البعد معتمدا على أشكال الرقابة، التي تولدت في أحضان المجتمعات الغربية، فرغم أنها ميزة الحضارة الصناعية المتقدمة، فإنها تنطبق على المجتمع المغربي الذي صارت سياسته نحو التحديث و العصرنة، و مثل المجتمعات الغربية في لحظة تاريخية سابقة، اعتمد العمل السياسي في المغرب على نفس المبادئ التي حددها ماركوز للرقابة، " الرفاه، الفعالية، افتقاد الحرية في إطار ديمقراطي..."[10]، إذ لم يتوقف مجتمعنا عن محاولة التحرر من البؤس، مما أفضى إلى فقد حرية الفكر و الاستقلال الذاتي، ليفقد معها الحق في المعارضة السياسية، فيتحول العمل السياسي إلى مجرد ممارسات صورية، و تصبح الدولة كيانا منفصلا عن الأفراد و عن وعيهم. " إرثنا هو إرث الدولة السلطانية... كانت السلطنة دولة القهر و السطو و الاستغلال. لم تكن تستوجب ولاء الفرد الذي كان يتولى عوضها الأمة و العشيرة. كانت الدولة معزولة كليا و مرفوضة ذهنيا."[11]


 نبيل محمد مُلين، فكرة الدستور في المغرب وثائق و نصوص1901 -2011 تيل كيل ميديا، بدون تاريخ،ص 37.[1]
2 علال الخديمي، مجلس الأعيان و مشروع الإصلاحات الفرنسية بالمغرب سنة 1905، الإصلاح و المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر، منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط، 1983،ص 259
 نبيل محمد مُلين، نفس المرجع،ص 45.[3]
 الدستور المغربي لسنة 1962، المطبعة الرسمية، ص 9.[4]
 نبيل مجمد مُلين، نفس المرجع، ص 166.[5]
 برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية 2015، ص 32.[6]
 حسن طارق، بين الدستور و الممارسة و التأويل: في الموت البطيء للفكرة البرلمانية، تجربة الإصلاح الدستوري في المغرب، منتدى العلاقات العربية و الدولية،ص 140.[7]
 ماكس فيبر، العلم و السياسة بوصفهما حرفة، ترجمة جورج كتورة، المنظمة العربية للترجمة، ط 1، بيروت، 2011، ص 340.[8]
 نفس المرجع، ص 143.[9]
 هربرت ماركوز، الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابيشي، منشورات دار الآداب، بيروت، ط 3،1988، ص 37.[10]
 عبد الله العروي، مفهوم الدولة، دار التنوير للطباعة و النشر، لبنان، 1983، ص  148[11]

الاثنين، 24 فبراير 2020

النقد المعاصر للدولة الوطنية

فبراير 24, 2020 0
  النقد المعاصر للدولة الوطنية
ليست الدولة الوطنية نموذجا مثاليا، و إن كانت نموذجا واقعيا للدولة الفعالة، فإنها أول ما تطرح من المفارقات هو ارتباطها بالإيديولوجية، إذ يمكنها أن تكون شيوعية أو اشتراكية أو ليبرالية، كما يمكنها أن تكون أوليغارشية أو إي شكل آخر من أشكال الحكومات، أيضا لا يوجد ما يمنع من اتخاذها شكل الملكيات أو الجمهوريات، بل حتى شكل الإمبراطوريات؛ هذا يفرض على الدولة كسيرورة تنكشف من خلال مجموع ممارساتها، صناعة نموذج للمواطنة يتوافق مع اديولوجيتها الرسمية، و بالتالي، تطرح للنقاش إشكاليات العلاقة بين الدولة الوطنية الحديثة و المواطن، و موقع العدالة داخل دولة مماثلة، بما أنها تحتاج في صناعة النماذج الملائمة لتوجهاتها، إلى وسائل اختراق المجتمع و الثقافة و التحكم فيه، " لكي يشكل كيان ما نفسه في صورة دولة مكتملة التحقق، يجب عليه أن يفترض ذاتا / ذاتية معينة، ألا و هي المواطن"[1]، فلا يمكن قيام دولة إلا بتكون مواطنها، من خلال سيرورة تاريخية لا تعتبر أساسية في الدول، التي تنعت اليوم بالضعيفة أو المتخلفة، لتنشأ في كنف الدولة الحديثة طبقية دولية، تصنف الدول وفق تراتبية اقتصادية و عسكرية و تنموية، و هو التصنيف الذي لا يكترث بإيديولوجياتها، مما يعني أن هذه الأخيرة ليست ضرورية في تحديد الدولة الحديثة، التي تتميز أساسا بصفة المواطنة، و ليس بصفتها الاقتصادية أو الإيديولوجية، إذ إلى جانب كونها تجربة تاريخية محددة و محلية، إلى حد كبير، تحرص الدولة الوطنية الحديثة على استمرار سيادة الميتافيزيقا التي أنتجتها، و على احتكار العملية التشريعية و العنف المشروع، و على دوام أجهزتها البيروقراطية، و تكريس تغلغلها الهيمني في الحياة الثقافية والاجتماعية، " النتيجة هي تحول الدولة إلى مؤسسة تعليمية أكثر شساعة"[2]، و من ثمة تتحدد هذه الدولة كترتيب سياسي – ثقافي، يحيل إلى مركزية أوروبية تحددت جغرافيا و إنسانيا، لكنها تحولت إلى الكونية مع مرور الوقت، خاصة منذ القرن الثامن عشر و التاسع عشر، حيث كان للمنزع الاستعماري للدول الأوروبية أثر في ترسيخ تلك الكونية، لأن الشعوب المتحضرة هي التي تعيش داخل دولة وطنية حديثة، هذه هي الايدولوجيا التي تقوم عليها الأنظمة السياسية الحديثة و المعاصرة، مما يجعلها مزيجا من الطوباوية والواقع، و من الخيال و الحقيقة و من المادي و الفكري. أصبحت لا شخصية الدولة مجرد وهم في الكثير من الأقطار، إذ ظل نفوذ الطبقة الحاكمة سائدا، و ظلت هيمنتها مستشرية في كل بنيات المجتمع، مما يحولها إلى دولة كليانية في جوهرها، و إن كانت هياكلها الحديثة التي لا تخلو من عناصر متخيلة، مثل مفهوم الإرادة التمثيلية الذي يتم إسقاطه بطريقة لاتاريخية، على كل الكيانات السياسية الوطنية الحديثة؛ هذه الإرادة التي تفترض ذاتا مجردة تمثلها، تتعارض مع السيادة التي تستدعي كيانا واقعيا، تمثله الحدود الجغرافية و القوة العسكرية، تتحول الإرادة الشعبية إلى آلية بيروقراطية لتبرير حكم القلة باسم الوطنية و القومية، لأنها لا تتأثر حتى في حالة وصول قوى غير ديمقراطية إلى السلطة، من هنا تتخذ السيادة صيغة متعالية عن تلك الإرادة، وتحول الديمقراطية إلى نوع من الاستبداد، الذي لا يقتصر على العلاقات الداخلية بين الطبقات و الفئات في الدولة، بل يمتد لعلاقاتها الخارجية مع الدول الأخرى. في هذه العلاقة انكشف الاستبداد الدولي الذي ولدته الدولة الوطنية الحديثة، أي الطابع التوسعي الاستغلالي لهذه الدولة الأوروبية المنشأ، لذلك اختلفت تجربة بناء الدولة الوطنية الحديثة في الأقطار الآسيوية و الإفريقية، عن نظيرتها الأوروبية التي ظلت النموذج المرجعي، مع أنها لا تخلو من تناقضات داخلية، و لا تعدم السلبيات و نقط الضعف؛ حتى الحالات التي تضطهد فيها الدولة الفئات الشعبية العريضة، فإنها لا تفقد شرعيها و لا تضعف سلطتها، يتحول العنف إلى طريق مباشر نحو السيادة، تتنازعها الفئات الحاكمة الضيقة و الطبقات الشعبية العريضة، إذ يمكن للإرادة الشعبية أن تؤسس لسيادة بديلة، لكن دون استغناء عن العنف،و بالتالي تظل الدولة الوطنية الحديثة عرضة للأزمات و الاضطرابات، إنها بنية سياسية هشة رغم شرعيتها التاريخية، إذ بهذه الشرعية بررت بناء متخيلا و أصبحت مجسدة له، وهذا البناء هو الأمة المتخيلة: الأمة الواحدة و  المحددة عرقيا و جغرافيا؛ فالحدود أثبتت قصورها عن تحقيق الغاية المنتظرة من الدولة الوطنية، التي صارت أكثر ميلا إلى الانفتاح على الحدود الإقليمية و القارية، كما أن قضية الهجرة التي أسقطت وهم العرق، حولت الدولة الوطنية إلى فسيفساء عرقية و ثقافية، يمكن أن ينطبق على هويتها الجديدة مسمى اللاهوية، غير أن هذه الوضعية حيث تتعدد الأعراق،تتزايد النزعات العنصرية  و الخطابات المتطرفة، بؤرة تهديد المجتمع و مصدر قلق الحضارة المعاصرة، و ليس خافيا عجز الدولة عن محو العنف من الحياة الفردية و الجماعية، داخلية كانت أو خارجية، بل ما زالت تعتمد العنف في ممارسة سلطتها و الحفاظ عليها، و إلا ماذا يعني أن تشجع الدولة المواطن على التضحية بنفسه من أجلها؟، و من أين لها هذه القوة التي تأثر بها على المواطن الذي يصبح مستعدا للتنازل عن حياته من أجل مصلحتها العليا؟؛ تحولت هذه الدولة التي طالما اعتبرت نموذجا مرجعيا، بنيت على غراره العديد من الكيانات السياسية، إلى جهاز لإنتاج مفاهيم لاهوتية جديدة، و العمل على دونونتها و علمنتها. " وقد شرح كارل شميت القضية بوضوح ثاقب عندما كتب: إن كل المفاهيم المهمة في النظرية الحديثة عن الدولة، هي مفاهيم لاهوتية معلمنة..."[3]، لقد وجد هذا الفيلسوف في الإقرار بالدولة ككائن له سيادة، ما يشبه المعجزة الدينية لأن مرجعيتها الوحيدة هي كينونتها، فهي توجد من أجل أن توجد وغايتها في ذاتها، مما يجعلها متعالية ليس على المواطنين فقط، بل على الإرادة الشعبية  و أشكال الحكم كذلك، تتحول الدولة إلى قيمة عليا لها ميتافيزيقا خاصة بها. قد تكون الدولة الوطنية أكثر دينية في عقيدتها المدنونة ، لأنها تعمل بنفس آليات الفكر الديني، فعوض أن يخضع الفرد لإرادة إلهية، يصبح خاضعا لإرادة الدولة، و عوض أن يضحي المؤمن في سبيل الله، يضحي المواطن الصالح في سبيل الدولة، لأن هذه الأخيرة هي ما يمثل سيادة الوطن و يستطيع الحفاظ عليها؛ هذا يتبع التشريعات و التعاليم الدينية، و ذاك يطيع القوانين و القواعد التي تضعها الدولة، بما أنها تقوم على ثالوث: الإقليم، الشعب، السلطة، حيث تشمل هذه الأخيرة القانون كإرادة سياسية، و العنف الضروري لتطبيق القانون في الداخل و الخارج، لأن الدولة هي الشخص القانوني الذي يمثل كيانا اجتماعيا و قانونيا، لتصير متعالية و مستقلة بذاتها عن الإرادة العامة، تحولت الدولة الوطنية إلى دولة كليانية تمارس الاستبداد باسم قيم الوطنية و القومية، فتُختزل في نظام إداري و قانوني، أي في منظمة إجبارية ذات أساس إقليمي، و من طبيعة سيادية و هقرية. ليست البيروقراطية سوى التجسيد الواقعي لتلك الطبيعة القهرية، فحتى مبدأ الفصل بين السلط ليس سوى منافسة بين الإدارات، لأن الإدارة في الدولة الحديثة هي الوسيلة للتنظيم و التحكم و الحكم والعنف، فهي لا تعتمد في قوتها الداخلية على قدرتها لتنظيم المجتمع فقط، بل على التوغل فيه ثقافيا كذلك، مما يضمن ولاءه إزاءها و يمكنها من تدمير كل الكيانات الداخلية، و منعها من اكتساب سلطة ذاتية مستقلة، لهذه الغاية قامت الدولة بهدم و إعادة بناء الوحدات الاجتماعية – الثقافية التقليدية، مكرسة بذلك إرادتها السيادية، ومضفية المشروعية على أجهزتها الإيديولوجية، كما أن اتخاذها القانون سلطة عليا لا يحولها ضرورة إلى دولة ديمقراطية، إذ يمكن للقوانين أن تكون جائرة و ظالمة، و تخدم مصلحة الفئات الحاكمة على حساب الفئات العريضة من الشعب، و لنا في الرايخ الثالث و إسرائيل و الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، أكبر دليل على الظلم الذي يمارس باسم القانون، لقد أشار شيشرون إلى هذه المسألة بالتطرق لحكومة الطغاة في أثينا، حيث لا تتطابق القوانين مع العقل و الفضيلة الأخلاقية، بل تصبح وسيلة فعالة للظلم وانتفاء العدالة، " كان كلسن قد أكد بشدة، مثل كثير من النقاد، أن مفهوم الفصل غير دقيق..."[4]. لم يؤدي هذا المبدأ سوى إلى نشأة الإدارة ككيان مستقل، حيث يمارس موظفون سلطات واسعة، دون حاجة إلى السند الشعبي أو الشرعية الانتخابية، مما يولد كيانات مستقلة و جماعات ضغط، تستطيع من خلال القوانين التحكم في دفة السلطة، ذلك ما يفسر مجموعة من الاضطرابات و الثورات التي شهدتها الدول المعاصرة، في أقطار عالمية مختلفة،  بل إنها دليل كذلك على تعالي الدولة عن القانون نفسه، ففي مثل تلك الاضطرابات يُعلق العمل بالدستور و بالقوانين، تلك هي حالة الاستثناء أو الطوارئ التي تعبر عن تجاوز الدولة لكل قانون و تشريع. تفقد الدولة الوطنية إشعاعها بوصفها دولة دستورية، و تتحول إلى وسيلة للمراقبة و التحكم غير آبهة بالإرادة العامة، و يغدو الحفاظ على هياكلها الإدارية أولوية الأولويات، حيث لا تجد الدولة طريقا إلى ذلك إلا القوة، المتمثلة في الجيش الذي يتعهد بحماية المؤسسات، حتى و إن كان ذلك على حساب الإرادة الشعبية، من هنا يمكن التأكيد على الطابع المتعالي للدولة الوطنية الحديثة، التي أضحت منفصلة عن وعي الأفراد و إرادتهم، و اختُزلت في مبدأ وهمي يدعي الفصل بين السلط، و الحال أنه يكرس مبدأ تفتيت السلطة الذي يضعفها، لذلك حرصت منذ نشأتها على حفظ ذاتها و استمراريتها، رغم تحولها التدريجي إلى مجال للتنافس بين الأحزاب و القوى السياسية الفاعلة، لكنها المنافسة التي تكون تحت رعاية الإدارة و مراقبتها، و من ثمة يتقزم دور المواطن المنصهر في هذا الحزب أو ذاك أو في إحدى الهيئات أو التنظيمات، " من زاوية أخرى، لم تنبني علاقة الدولة الحديثة منذ نشأتها بمواطنيها على المشاعر، لكن على العقل و المصلحة."[5]؛ تغيب في هذه الدولة المقاربة الإنسانية، و تتقوى المقاربات الأمنية المخترقة للحياة الاجتماعية. عادة ما نتسرع في اعتبار الدولة الحديثة، في صيغتها القومية الأوروبية المنشأ، نموذجا للدولة الديمقراطية حيث العدالة و سيادة الحق، و الحال أنها تجربة تاريخية لا تخلو من تناقضات و عثرات، خاصة في حال اجتثاثها من تربتها لزراعتها في تربة أخرى.
   صحيح أن الدولة الحديثة قامت على القومية، لكنها صارت نحو فقدان قوميتها بفعل الهجرة، تماما مثلما فقدت حدودها الجغرافية و الاقتصادية و الثقافية، إذ لا يمكن إنكار ميلاد العولمة في كنف هذه الدولة، كما لا يمكن إغفال دورها في النزعة الاستعمارية التوسعية، التي طبعت فترة مهمة من التاريخ الحديث و المعاصر، و أثرت في البنيات الاجتماعية و الثقافية لعدد من الدول خارج أوروبا،أضف إلى ذلك، إشكال العبودية الجديدة التي تشكلت و تطورت ضمنها، خاصة بعد ارتكاس الرأسمالية من طابعها الصناعي، إلى الطباع المالي ألربوي الذي نشأت على منواله، " حين جرى تبني مفهوم الأمة، في القرنين التاسع عشر و العشرين، في سياقات شديدة الاختلاف وصولا إلى أشكال التعبئة الشعبية في أقاليم و بلدان، داخل أوروبا وخارجها... كان المفهوم ما يزال يجري تقديمه باستمرار بوصفه مفهوم تحديث رأسمالي..."[6]. تصادمت القومية إذن بالقيم الديمقراطية، لأنها تحولت من الأفق الوراثي إلى الأفق القومي العرقي، و تراجعت أدوارها إلى مجرد إعادة إنتاج الهوية، التي تشمل الأرض و السكان مشيئة بذلك السيادة، و مزيحة الصراعات الاجتماعية في مقابل تأسيسها التشكلة الاجتماعية – السياسية، التي أطلق عليها مسمى الأمة، فصارت السيادة المتسامية تلخيصا للتصور البرجوازي الهيمني، الذي حاول جعل هوية الشعب طبيعة و أصلية، إذ طُرِح مفهوم الشعب مع الدولة القومية، بوصفه الأساس الأول و المرجعي لمفهوم الأمة؛ " ليس التصور الحديث للشعب، في حقيقة الأمر، إلا أحد نتاجات الدولة القومية، و لا يحافظ على بقائه إلا في إطار سياقه الإيديولوجي المحدد"[7]. لا يمكن إغفال أن السبب في الكثير من حملات التطهير العرقي و الإبادات الجماعية، كانت باسم القومية و العرقية، التي تأسست على صرحها الدولة الوطنية الحديثة، فهذه الأخيرة تتقهقر إلى كيان يُجسد تمثيلية الشعب في جماعة عرق أو طبقة مهيمنة، تظل قلة لا تلتفت في اغلب الأحيان إلى الرأي العام. ينضاف إلى ما سبق، أزمة الهوية التي نتجت من جراء علاقة الدولة الوطنية بالعولمة، الأزمة التي تتجسد في تراجع الثقافات الوطنية و المحلية، و في سيادة لغة الدول القوية اقتصاديا و علميا و عسكريا، مثال ذلك، المخاوف التي انتابت النخب الفرنسية بعد ملاحظتها تقهقر الفرنكوفونية، و انتشار الأنجلوسكسونية ليس في العالم فحسب، بل داخل فرنسا نفسها كذلك. أظهرت تلك العلاقة حقيقة سيادة الدول، التي تتحدد كشخصية معنوية و كتشخيص قانوني لشعب معين، و هي فكرة خيالية لأن إرادة الدولة ليست شيئا آخر سوى إرادة الحاكم، صارت الدولة إذن، واقعة اجتماعية توجد في كل جماعة يكتنفها اختلاف سياسي، أصبحت أداة للحراسة حينا، و للانقاذ حينا آخر، خاصة و أنها بلغت درجة قصوى من التأزم خلال الفترة المعاصرة؛ تزايد الفوارق الطبقية،         و البطالة و التضخم و ارتفاع عجز الميزانيات و تصاعد العنف ...، لذلك أصبحت الدولة مجبرة على عدم التدخل في الخدمات الاجتماعية، من تعليم و صحة و سكن...، و اقتصرت على الوظائف السيادية كالدفاع الوطني، و الأمن ، و العدالة، و لم تهتم بالنشاط الاقتصادي أو التجاري، لكن مع الأزمة الاقتصادية لسنة 1929 بدأت إعادة النظر في مهام الدولة، توجت في سبعينيات القرن العشرين بتبني سياسة الخوصصة، التي كرست الفوارق بين الشمال و الجنوب، مما اضطر الدولة الرأسمالية إلى بلورة توجه جديد يوفق بين الليبرالية و تدخل الدولة. تمخضت عن تطورات الدولة الوطنية أزمة هوية، بفعل التغلغل الحضاري للدول القوية، و لهيمنتها الثقافية و الإعلامية، الذي عمل على طمس موروث الدول الوطنية، أي على إخفاء العصبية الجماعية، دون التوفق في ذلك بشكل مكتمل، إذ طلت العصبية و العرقية وراء العديد من الصراعات  و النزاعات المسلحة، التي وجدت مبررها الوحيد في الحفاظ على العرق و القومية. في المقابل عادت أحلام الإمبراطوريات العريقة إلى الظهور في العالم المعاصر، بل ظهرت الميولات الإمبراطورية للدول الحديثة النشأة، كما يتجسد ذلك في النظام العالمي الجديد، الذي خول لدولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية فرض مخططاتها و توجهاتها،" ... الولايات المتحدة الأمريكية تتمتع بميزة أكثر أهمية جراء النزعة الإمبراطورية التي يتسم بها دستورها بالذات. فكما قال جفرسون يبقى دستور الولايات المتحدة الأفضل تفصيلا ليكون دستورا لإمبراطورية مترامية الأطراف"[8].
   لم تمنع أمثلة الدولة الوطنية من نقدها و الاعتراض عليها، إذ لا يمكن القفز على ظروف نشأتها و تطورها، التي ترتبط بشروط مخصوصة، تولدت تاريخيا بشكل داخلي في بعض الأقطار، و بكيفية خارجية في أخرى؛ فإذا كانت هذه الدولة في أوروبا نتيجة لتراكم تاريخي و اجتماعي ذاتي، فإنها في الدول التي تعرضت للاحتلال الأجنبي نتيجة لظرف خارجي طارئ، لم يتوافق كليا مع بنياتها الاجتماعية و مرجعياتها التاريخية، يبدو هذا التوتر في تجربة دول العالم المتخلف مع الدولة الوطنية الحديثة عامة، و دول العالم العربي الإسلامي خاصة، إذ في مجتمعاتها تعذر استنساخ التجربة الأوروبية، بل أدى هذا الاستنساخ إلى نتائج عكسية، فأصبحت الوطنية والقومية عنوانا عريضا للاستبداد السياسي و الفساد الإداري  المالي، كما أنها أصبحت سببا في الكثير من التناقضات الداخلية و الصراعات. في كنف هذه الدولة تحول الشعب إلى مفهوم زئبقي منفلت من كل تحديد، ويختزل الانتماء إليه في أسس قانونية تمكن الفرد من هذه الجنسية أو تلك دون اعتبار للعرق أو الدين أو اللغة...، إضافة إلى نزوع العالم المعاصر نحو محو الحدود الجغرافي، و ترسيخ فكرة المواطنة الكونية التي تعبر تعبيرا صريحا عن إرادة تجاوز نموذج الدولة الوطنية.



 وائل حلاق، الدولة المستحيلة الإسلام و السياسة و مأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة عمرو عثمان، المركز العربي للأبحاث و الدراسة السياسية، ط1 ،2014.ص 61.[1]
 Martin Van Creveld , The Rise And Declin Of State, Cambridge University Press, firste published 1999,p 213 :[2]
 وائل حلاق، المرجع السابق، ص 71.[3]
 وائل حلاق، نفس المرجع، ص 92.[4]
 Martin Van Creveld , The Rise And Declin Of State, Cambridge University Press, firste published 1999,p 190.[5]
 مايكل هاردت و انطونيو نغري، الإمبراطورية، إمبراطورية العولمة الجديدة، تعريب فاضل جتكر، مراجعة رضوان السيد، مكتبة العبيكان،ط 1، 2002،ص 154.[6]
 نفس المرجع، ص 163.[7]
 مايكل هاردت و انطونيو نغري، نفس المرجع، ص 271.[8]