‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاسلام في مرآة الانواريين مونتسكيو فولتير روسو-الفضاء العمومي في السياسة الشرعية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاسلام في مرآة الانواريين مونتسكيو فولتير روسو-الفضاء العمومي في السياسة الشرعية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 8 فبراير 2020

الفضاء العمومي في السياسة الشرعية

فبراير 08, 2020 0
                       الفضاء العمومي في  السياسية الشرعية


’’ الصراع ضد الدين هو بشكل غير مباشر، صراع ضد هذا العالم حيث الدين عبق الوجود...
الدين هو زفرة الكائن المفعم بؤسا
و هو روح عالَمٍ بدون قلب، و كذلك روح  عصر بلا روح.
إنه أفيون الشعوب. ‘‘ [1]
                                                                           كارل ماركس
 
   ما انفك الاشتباك بين السياسة و الدين أن ينفض، حتى نشبت حرب مستعرة، بين الأمم و الشعوب  والحضارات و الثقافات، ظل الدين حاضرا فيها وإن اتخذت الحرب طبيعة سياسية و إيديولوجية، وليست تعنينا في الحقيقة قضية كما هذا الاشتباك؛  فقد عاد الالتفات إلى الدين بعد مجموع الأحداث التي برزت ضمنها سلطته وفق آليات ديموقراطية. إن صعود الأحزاب الإسلامية في المغرب، ومصر، وتركيا، عبر انتخابات عامة دليل على ارتباط الجماهير وجدانيا بالدين، و على استمرار هذا الأخير في التأثير على المجال السياسي في البلاد الإسلامية عامة، لذلك نستدعي مفهوم الفضاء العام لفهم هذا الترابط الثيو- سياسي، و هذه الاستمرارية التي تعلن عن نفسها بقوة، في السلوك السياسي للمجتمع المتدين و المتمدن. فما هو الفضاء العام؟ و هل يمكن الحديث عن فضاء عام في النظرية السياسية الإسلامية، خاصة في شقها الشرعي؟
تعريف الفضاء العمومي
   ظهر مفهوم الفضاء العام أو العمومي، حسب الفيلسوف الألماني يورغن هبرماس j . Habermas  نهاية القرن الثامن عشر، لكنه تشكل قُبيل ذلك في المقاهي البريطانية و الصالونات الفرنسية، بل يصعد أصل المفهوم إلى الكلمة Republic  التي تنطوي على معنى المشترك و العام، وهو مشترك سياسي ضرورة، بما أنه ضمن مدينة دولة  تتحقق فيها المواطنة. غير أن هذه الأخيرة محدودة، إذ اقتصرت على الرجال الأحرار، مُقصية بالتالي الأغلبية الساحقة من المجتمع، لذلك لم تكن الديموقراطية النظام السياسي المفضل عند الكثير من الفلاسفة و المفكرين، إلا أن فكرة الخضوع للقانون و لسلطة التعاقد ظلت سارية المفعول في الفكر و الاجتماع الغربيين، متخذة مسارات حديثة اتسعت معها دائرة الفئة التي لها حق المشاركة السياسية. من البدهي أن تكون البرجوازية حسب هابرماس مُطورة للفضاء العمومي، و من الطبيعي أن ينشأ و يترعرع المفهوم ضمن المجتمع المدني، ويشتد عوده في كنف المنظور الرأسمالي الليبرالي، صار المفهوم كناية عن المجال السياسي الذي تُمارس فيه السلطة وفق قواعد تعاقدية و محددات قانونية، تنأى بنفسها عن أي أصل عدا الأصل الوضعي، معلنة بذلك ميلاد الأنسنة المقدسة، التي أنهت السرديات التقليدية و الآفاق الأخلاقية القديمة؛ الأنسنة التي تجسدت في القطيعة مع الموروث الإقطاعي المسيحي، و الانتقال إلى الدولة الحديثة حيث السيادة للشعب ، و هو الانتقال الذي أخرج إلى واضحة النهار النقائص التي تعتور السياسة و الاجتماع، فصارت السلطة،  و الحقيقة،  و الثروة موضوع نقاش عمومي، و انبجست سلطة فوق السلط مثلها الرأي العام، الذي لا يمكن اعتباره شيئا آخر سوى الروح الموضوعي لمفهوم الفضاء العمومي المجرد.
الفضاء العمومي و الجمهور
   قد يكون من باب التدقيق الوقوف على مفهوم مساوق لمفهومنا المركزي، واقصد مفهوم الجمهور الذي يفرض نفسه بالقوة حين نتناول الفضاء العمومي. لكن مفهوم الجمهور ليس واحدا و لا مطلقا، إذ يبين تتبعه تاريخيا مجموع التحولات الدلالية التي طرأت عليه، منذ اليونان إلى حدود الأزمنة الحديثة، مرورا بعصر النهضة؛ نجد هذا الترابط بين الجمهور والفضاء العمومي فيما أورده هابرماس في تعريفه حين قال: " يمكن أن يُفهم الفضاء العمومي البرجوازي، أولا  وقبل كل شيء، باعتباره مجالا لتجمّع عدد من الأفراد، ليشكلوا جمهورا يطالب لاحقا بإشراكه في هذا المجال المنظم من طرف الدولة. لكنه يطالب به مباشرة ضد السلطة العمومية ذاتها، مما يُمكّنه من مناقشتها حول القواعد العامة التي تتحكم في العلاقات الخاصة أساسا. لكنها عمومية ترتبط بفضاء تبادل السلع والعمل الاجتماعي."[2]. يتحدد الجمهور إذن كمجموع المواطنين الذين لا يمكن للفضاء العمومي أن يكون بدونهم، لقد ساهم انتشار القراءة بين الاوروبيين في تشكل هذا المجال السياسي، أو بالأحرى في تسريع وتيرة تنامي الوعي الجمعي الذي وضع أوربا على أعتاب التفوق الحضاري المدعوم بالنضج السياسي، و التقدم العلمي،  والازدهار الاقتصادي، والقوة العسكرية. فبأي معنى يمكن الحديث عن فضاء عمومي في النظام الإسلامي؟ ذاك النظام الذي صيغ مع أمثال الماوردي، وتقي الدين بن تيمية، وغيرهما.
    ليست بدعة محاولة التبييئ التي شهدها فكرنا العربي الإسلامي؛ فمنذ الإصلاحيين الأُول ظهرت القدرة على إيجاد مقابلات للمفاهيم الغربية في الفكر الإسلامي، و ما الديموقراطية إلا الإسم الغربي لمبدأ الشورى الإسلامي، على هذا المنوال نسج الكثير من أعلام النهضة العربية؛ " هكذا ألفينا النهضويين الإصلاحيين يقيمون علاقة وصل - أحيانا- الانطباق بين الشورى و الديموقراطية، بين الإجماع - كآلية فقهية - و الرأي العام، بين المصالح - في فقه المقاصد الشرعية – ( كما سماها الطهطاوي)، أو المصلحة العامة و المنافع العمومية ، بين البيعة والعقد الاجتماعي، بين أهل الحل والعقد و نواب الأمة في البرلمان، بين الحسبة والرقابة التشريعية...  ألخ."[3] ، مادام التفكير خارج الديني أو بتجاهله  أو مجاوزته في العالم الإسلامي طرحا طوباويا، بما أنه لا يستمد موقفه من واقعه الفعلي، بل من واقع   موازٍ و متغلب ينحَل واقعية غلبته من قوته المادية و ما نجم عنها من أشكال القوة الأخرى. ألن ندور في حلقة مفرغة و نحن نحاول تبيئ المفاهيم؟ ألن يكون هذا التبيئ مجرد اجتثات للمفاهيم من سياقتها   وإجهازا على معاني مبنية لصالح أخرى معطاة؟  
   وُجدت الدولة الحديثة في العالم العربي الإسلامي، في ظروف تاريخية و سياسية، تختلف عن تلك التي تشكلت بفضلها في أوروبا؛ فإذا كانت هذه الدولة وليدة اتفاقية ويستفاليا Westphalie 1648 بالنسبة لأوروبا، فإنها جاءت نتيجة لاتفاقية ساكيس – بيكو Sykes – Picot 1916، التي خرجت من رحمها الدولة الحديثة في العالم العربي الإسلامي، من هنا تكون هذه الدولة تنيجة لعوامل ذاتية إرادية داخلية في الأولى، و خارجية إكراهية في الثانية، كما أن هذه الدولة لا تتحدد إلا كدولة وطنية، أو قومية، أو قطرية؛ وهي في الحقيقة مسميات مختلفة لمسمى واحد. القطرية، التي لا توجد في التراث السياسي الإسلامي؛ إذ قامت الدولة منذ بدايتها على فكرة الكونية، التي تتجاوز كل عرق ولغة و لون و قُطر.  السياق الذي تبلور ضمنه الفضاء العمومي إذن مختلف جذريا عن السياق السياسي الإسلامي، لكننا نجد بسهولة و يسر مجموعة من المفاهيم و التصورات المتشابهة، حين نفكر في دلالات الفضاء العمومي بوصفه مجالا مشتركا لممارسة السياسة و تدبير السلطة. أول تلك المفاهيم ، مفهوم الجمهور الذي سلفت الإشارة إليه في سياقه الغربي، و رغم التشابه الظاهري ضمن السياقين المتباينين، فإن الاختلافات تطال الدلالات التفصيلية، وهي مع ذلك تشترك في معنى الأغلبية مقابل الأقلية، وهو المعنى المستمد من التعريف الفقهي، حيث تشير عبارة جمهور الفقهاء إلى الأغلبية التي يتحقق بفضلها الإجماع، هذا الأخير هو المحدد الأساسي للعام والمشترك، أي ذاك الذي يخضع له الأفراد و يستبطنونه ليصبح جزء من ذواتهم و كينونتهم؛ فلا يتصرفون إلا ضمن الحلال والحرام الذي ينهل شرعيته من فعل الإجماع ذاته. ارتباط مفهوم الجمهور في الثقافة الإسلامية بأشخاص أربعة؛ أصحاب المذاهب إذا اتفقوا في مسألة شرعية واختلف واحد منهم أطلق عليهم مصطلح: ( جمهور). " و كذلك كان قول الجمهور أحد الاعتبارات التي اعتمد عليها الكثير من الفقهاء المجتهدين و مرجحي المذاهب الفقهية في اعتماد قول أو ترجيح رواية، و من هذا القبيل قول الشافعي في مسألة توريث الجد مع الإخوة..."[4] . يدل المفهوم كذلك في السياق الكلامي على اتفاق أكبر عدد من أفراد فرقة ما على قضية ما؛ " و أما جمهور المعتزلة فحكموا بأنه إنما يحسن من الله تعالى إما بطريق العتاب بجريمة سابقة، أو بالتزام التعويض..."[5] ؛ ضمن هذا السياق يتطابق لفظ الجمهور مع لفظ الأصحاب، وهو تطابق جلي عند الشهرستاني في إطار تعريفه للفرق الكلامية، يقول مثلا: " الواصلية أصحاب واصل بن عطاء الغزال..."[6] ، هنا يبدو الجمهور بمعنى أتباع، أو مريدي طائفة أو فرقة، و في معرض حديثة عن الحارثية يقول الشهرستاني : " و قد خالفوا الأباضية في القدر...وقد أكفرهم سائر الأباضية في قولهم في باب القدر بمثل قول المعتزلة، لأن جمهورهم على قول أهل السنة..."[7] . لفظ الجمهور إذن في الفكر الإسلامي، هو التعبير الوحيد عن الإجماع الذي   ينعكس في التشريع  و التنظيم الأخلاقي والسياسي، محددا بذلك السلوك الفردي والجماعي، كما يضم في الآن ذاته التنظيم السياسي، حيث يتطور الإجماع إلى مفهوم  آخر هو البيعة.
الفضاء العمومي الإمكان و الإستحالة
   لعلنا نجد نموذجا لتدبير الشأن العام في الصدر الأول من الإسلام في سقيفة بني ساعدة، حيث انقسم الرأي وتحقق الاختيار في الآن ذاته، و مهما تكن تفاصيل هذه النازلة التاريخية، فإن ما يهمنا منها هو اهتمام الجيل الأول من المسلمين بالشأن العام، و المسارعة إلى الحفاظ على بناء السلطة وفق النص الديني، بل لم يهتم هذا الجيل بطبيعة النظام السياسي؛ فكما ورد عن علي بن أبي طالب حين عرض لشعار الخوارج ( لا حكم إلا لله)، حيث أكد أن قيام الدولة غاية في ذاته، وليست لها غاية خارجية، باستثناء تثبيت أركان دعوة التوحيد؛ "فسموا المُحَكّمَة بذلك، و لما سمع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب هذه الكلمة، قال: كلمة عدل يراد بها جور، إنما يقولون لا إمارة، و لا بد من إمارة برة أو فاجرة"[8] . لم تكن للدولة إذن في بدايتها غاية خارج ذاتها، و كذلك ظلت طيلة تاريخ الحكم الإسلامي، تسعى إلى الحفاظ على ذاتها بما تحمل من مبادئ ليس لتدبير الشأن العام فقط، بل لتدبير الشأن الوجودي للإنسان؛ هذا ما يوضحه مفهوم البيعة الذي يمكن الأخذ به مقياسا، و محددا للفضاء العمومي كما تشكل في تاريخ الدولة الإسلامية؛ فهي ليست مجرد اختيار يعبر عن حالة الرضا التي تحققت بين الأطراف، بل هي تسليم و تعهد للحاكم، مقابل تعهدات هذا الأخير المعلومة ضرورة وشرعا. البيعة لغة هي: " الصفقة على أيجاب البيع و المبايعة و الطاعة... وقد تبايعوا على الأمر: كقولك أصفقوا عليه، وبايعه مبايعة: عاهده."[9] . إن الأصل اللغوي للمفهوم يحيل إلى البيع، إي تبادل عيني للمال مقابل السلع، هذا البعد التبادلي المادي هو عينه المبطن في مفهوم البيعة، إذ يحصل تبادل الثقة بين أطراف، دون غش أو غبن، لأنه قائم على مجموع قواعد، هي قواعد السوق في البيع، ومبادئ الولاية في البيعة، هي ذاتها مبادئ العدالة. أما في اصطلاح الفقهاء، فالبيعة هي المعاهدة والمعاقدة و التولية، و بذل العهد على الطاعة  و النصرة. لا يكتمل هذا المفهوم إلا بمساوقته لمفهوم الأمانة، أي المسؤولية التي يتحملها الحاكم،  و تتخذ مسمى الولاية؛ و ما الولاية إلا رعاية الراعي للرعية بما يصلح لكليهما، وهذا محدد شرعا   و معلوم عقلا، و ضروري تاريخيا، " و هذا ظاهر الاعتبار، فإن الخلق عباد الله، و الولاة نواب الله على عباده، و هم وكلاء العباد على أنفسهم، بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر، ففيهم معنى الولاية  و الوكالة."[10] بهذا المعني يبرز مجال لممارسة السلطة بمعناه الأنطلوجي، فمبنى السياسة في الإسلام هو الوضع الوجودي، الذي يسطره العقد المزدوج في البيعة؛ فهو تعهد بشري و إلهي في الآن ذاته؛ أولا تعهد الحاكم برعاية شؤون الرعية، و تعهد هذه الأخيرة بالطاعة، و ثانيا تعهد الطرفين باتباع الشرع الإلهي، الذي يشكل الرابط الوحيدة بينهما؛ فلا تجب طاعة أولياء الأمور إلا في المعروف، مثلما يجب نهيهم عن المنكر. ترتبط السياسة إذن في سياقها الشرعي بالوجود أكثر من ارتباطها بالشأن العام، وترتبط بالمعتقد أكثر من اتصالها بالرأي العام، و تكون فيها السلطة عَرْضا و ليست طلبا، أي أن الناس يولون الأصلح لهم في دينهم و دنياهم ويقترحونه، و لا يطلبها بنفسه أو يسعى إليها بوسائل مختلفة، بما أن الأمانة حمل ثقيل يتورع العاقل من تحملها على كاهله؛ فطلب الولاية سبب منعها في السياسة الشرعية، كما أكدت ذلك مجموعة من الأحاديث النبوية.
   لا تعني الدولة الدينية اضطهاد الحريات الدينية ضرورة، بل قد تستوعب هذه الدولة ديانات  ومعتقدات مختلفة رغم مرجعياتها الدينية، إذ ظلت غاية هذه الدولة تحقيق المشترك الكوني، دائما في إطار ديني وشرعي، أي مجموع الأحكام الشرعية المنظمة لوجود الأقليات الدينية داخل الدولة، ويتمظهر ذلك في نظام الجزية، رغم أنه لا يشمل كل الطوائف و المعتقدات. هنا نجد صعوبة في التبييء إذ لا تشمل الحياة العامة في الدولة الدينية سوى أصحاب الديانات الأخرى المختلفة المعترف بها؛ فالمختلف أصناف في الفقه الأسلامي؛ يعتبر كل من اليهود، والنصارى، والصابئة، والمجوس، والذين أشركوا، و الدهرية، من غير المسلمين. لكن اصطلاح أهل الذمة لا يشمل كل هؤلاء؛ في ذلك اختلف الفقهاء، فبينما ذهب فقهاء الحنفية إلى اعتبار كل صاحب كتاب سماوي، من أهل الذمة، حصر فقهاء الشافعية و الحنابلة أهل الكتاب في اليهود و النصارى فقط. " غير المسلمين من أهل الكتاب: وللفقهاء في تعريفهم رأيان: الأول رأي فقهاء الحنفية، وعندهم الكتابي كل من اعتقد دينا سماويا، و له كتاب منزل كالتوراة و الإنجيل و صحف إبراهيم و شيت، وزُبر داوود... الثاني: رأي فقهاء الشافعية  والحنابلة: أهل الكتاب اليهود و النصارى دون غيرهم..."[11] . تستوعب الدولة في الإسلام غير المسلمين، إلا أنها لا تسمح لهؤلاء بالمشاركة في تدبير الشأن السياسي. لكنها تخصص لهم في المقابل جملة من التشريعات، تكفل حقوقهم و حرياتهم، و تيسر معاشهم داخل مجتمع لا يدينون بمعتقده، فهل يعني ذلك استحالة وجود فضاء عمومي في الدول الإسلامية؟
     إن فضاء تداول السلطة و ممارستها في الدولة الإسلامية الأولى واقع تاريخي لا يمكن إنكاره، لكنه لم يتخذ طابعا سياسيا، بقدر ما تحدد كمجال أنطولوجي ، يرتبط بالوجود و بالكيان الفردي والجماعي، يسعى إلى تحقيق النجاة الأرضية و السماوية في الآن ذاته؛ إنه فضاء لا يأبه بالحالات المفردة، قدر اهتمامه بالبعد الوجودي، لأن غايته ليست سوى التوحيد و الإعمار، بما أن الأرضية النظرية التي ينبني عليها فضاء تداول وممارسة السلطة في الإسلام، هي بالتحديد فكرة الأستخلاف في الأرض، من أجل النجاة في السماء. نلفي في تاريخ الدولة الإسلامية موقفين متباينين من غير المسلمين، خاصة اللادينيين و الملاحدة؛ الأول الاضطهاد و القتل، و الثاني التجاهل و اللامبالاة، " فاندفع الزنادقة يعلنون أرآءهم الهدامة بكل شجاعة وصراحة، على الرغم مما كان يتوعدهم به السلطان -أعني الخليفة-  من عذاب، و ما لقيه أكثرهم من اضطهاد. و فضل أغلبهم الاستشهاد فقدموا أرواحهم فداء لتلك الحرية الفكرية... كما فعل ابن المقفع وصالح بن عبد القدوس و مئات غيرهم... و يلوح أخيرا أن الدولة آثرت أخيرا حرمان هؤلاء من فخر الشهادة فتركتهم أخيرا في النصف الثاني من القرن الثالث، و طوال القرن الرابع يفعلون ما يشاؤون."[12] ،  يظل  هذا الحكم نسبيا  مُعبرا عن مرحلة بعينها، إذ تتغير علاقة الدولة الدينية بالطوائف الدينية من فترة إلى أخرى ، فمثلما حدث إبان سقوط الحكم الأموي و صعود الحكم العباسي، حين جاهر الشعراء و الأدباء بإلحادهم و و مجونهم فسخروا من الدين، و من القيم الاجتماعية. لكن تبقى لحظات استثنائية في تاريخ الإسلامي، إذ لم تتساهل الدولة مع المظاهر اللادينية، بل حتى مع الاختلاف في فهم و تفسير النصوص، فقد شكل الدين في هذه الدولة المعيار الذي تتحدد وفقه كل مظاهر الحياة، من الفكري والمعرفي إلى الاجتماعي و السياسي والاقتصادي، لذلك كان من بديهيات الدولة الدينية حضور السلطة في المجال العام، إذ تخضع كل الأنشطة داخل المجتمع إلى رقابة الدولة.
  يتسم الفضاء العمومي في الدولة الدينية بخاصية التطابق؛ تتطابق سلوكات الأفراد، و مظهرهم، وتفكيرهم لمبادئ الشريعة،و بالتالي ينسحب الاختلاف و ينزوي إلى المجالات الخاصة؛ يتشابه الأفراد على مستوى المظهر، إذ يطابق الكل نمطا سلوكيا و هيئة خارجية حسب الجنس، و يذعن الجميع لسلطة الخطاب، حيث تتحول اللغة إلى سلطة ما ورائية تستبطن المقدس أول ما تستبطن. لا يقتصر التطابق على المظهر والخطاب فقط، بل يطال العقل و طريقة التفكير التي تصبح محرمة إذا كانت خارج المألوف و الموروث، لعل ذلك ما دفع الكثير من المفكرين إلى تحليل و تأمل العقل العربي الإسلامي. تفضي خاصية التطابق إلى الإقرار بمجال سياسي مختلف عن الفضاء العمومي، إذ تنتفي إمكانية المساواة بين الجنسين؛ بما أن المرأة في السياسة الشرعية غير معنية بالسلطة. تستوعب الدولة الدينية التنوع المُسيّج إذن، أي التنوع في حدود شريعتها، مادام لكل دولة شريعتها؛ ليس بمعنى الاختلاف العام بين الديانات و المعتقدات، بل داخل الدين الواحد كما هو حال الدولة الدينية في الإسلام عبر تاريخها، إذ تقلبت بين التسنن، و التشيع؛ فُرضت العقائد على الناس بقوة السلطة التي تمتلكها الدولة، كما تم ترسيم الفهم الذي تختاره الدولة للنصوص الدينية. أليس الفرق بين الصالونات و المقاهي الأوروبية التي كانت تناقش أمورا سياسية و دينية، و مهتجسة بتغيير الوضع، و بين مجالس الخلفاء و الملوك المفعمة بالإمتاع و المؤانسة، هو ذاته الفرق بين العقل العربي الإسلامي، والعقل الغربي العلماني؟
 المصادر و المراجع المعتمدة:
·        عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في تاريخ الإسلام، سينا للنشر، الطبعة الثانية 1993.
·        عبد الإله بلقزيز، نقد التراث، العرب و الحداثة 3، مركز الدراسات  الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 2014.
·   أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي و الرعية، تحقيق: علي محمد العمران، دار علم الفوائد.
·        محمد الحسيني الزبيدي،  إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، الجزء الثاني، دار الكتب العلمية، 2016.
·        محمد هاني ساعي، موسوعة مسائل الجمهور في الفقه الإسلامي، ترجمة: عبد القادر محمود البكار، دار السلام للطباعة و النشر، 2007.
·        أبو الفتح الشهرستاني، الملل و النحل، تحقيق: أحمد فهمي محمد، دار الكتب العلمية، 1992.
·        صابر طعيمة، الإسلام و الآخر، دراسة عن وضعية غير المسلمين في مجتمعات المسلمين، مكتبة الرشد، 2007.
·        أبو الفصل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور، لسان العرب، المجلد الثامن، دار صادر، بيروت.
·        Jürgen Habermas, The Structural Transformation of the Public Sphere, An Inquiry into a Category of Bourgeois Society translated by Thomas Burger, Paperback edition, 1991.
 Karl Marx, Contribution à La critique de La Philosophie du Droit de Hegel, traduit par: Jules Molitor, Edition Allia, 1998.  



[1]  Karl Marx, Contribution à La critique de La Philosophie du Droit de Hegel, traduit par : Jules Molitor, Edition Allia, 1998, p 1.                                                                                                                                                                            
[2]  Jürgen Habermas, The Structural Transformation of the Public Sphere, An Inquiry into a Category of Bourgeois Society translated by Thomas Burger, Paperback edition, 1991, p 27.                                         .                                                                                                                                                                     
[3]  عبد الإله بلقزيز، نقد التراث، العرب و الحداثة 3، مركز الدراسات  الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 2014، ص 26.
[4]  محمد هاني ساعي، موسوعة مسائل الجمهور في الفقه الإسلامي، ترجمة: عبد القادر محمود البكار، دار السلام للطباعة و النشر، 2007، ص 12.
[5]  محمد الحسيني الزبيدي،  إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، الجزء الثاني، دار الكتب العلمية، 2016، ص 292.
[6]  أبو الفتح الشهرستاني، الملل و النحل، تحقيق: أحمد فهمي محمد، دار الكتب العلمية، 1992، ص 40.
[7]  المرجع السابق، ص 133.
[8]  الملل و النحل، ص 110.
[9]  أبو الفصل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور، لسان العرب، المجلد الثامن، دار صادر، بيروت، ص 26.
[10]  أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي و الرعية، تحقيق: علي محمد العمران، دار علم الفوائد، ص 15.
[11]  صابر طعيمة، الإسلام و الآخر، دراسة عن وضعية غير المسلمين في مجتمعات المسلمين، مكتبة الرشد، 2007، ص 487- 488.
[12]  عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في تاريخ الإسلام، سينا للنشر، الطبعة الثانية 1993، ص 11.

الخميس، 6 فبراير 2020

الإسلام في مرآة الأنواريين. مونتسكيو، فواتير، و روسو نموذجا

فبراير 06, 2020 0
الإسلام في مرآة الأنواريين.
مونتسكيو ، فولتير، و روسو نموذجا.



                                                                                                               تحرير: رشيد النفينف
   لن يختلف المطلعون على تاريخ أوروبا الحديث في الاعتراف بالنزعة اللادينية، التي اجتاحت الفكر الغربي آنئذ، و لا يمكن انكار المواجهة العنيفة التي شهدتها القارة العجوز باسم الدين أولا، ثم ضده لاحقا؛ من الحروب الدينية الداخلية بين الكاثوليك و البروتستانت، إلى الحرب ضد الكنيسة و انتزاع ممتلكاتها و تجريدها من كل سلطة ممكنة، أي نزعة الدنونة التي ميزت حركة التنوير الأوروبية. لقد كان للفرنسيين نصيب الأسد في تلك الحركة كما هو معلوم، و ليست انتاجات الموسوعين سوى الدليل الساطع على تزعم نقد الفكر الديني و القطع مع التفسيرات اللاهوتية، لصالح تفسيرات عقلية علمية تجنح ما أمكنها إلى موضوعية مفترضة. رغم أن التنوير عملية تراكمية تحققت تاريخيا، فإنها تجلت في تصنيفات فلاسفة القرن الثامن عشر، بشكل أكثر اكتمالا من كتابات فلاسفة القرن الذي سبقه؛ و ليست أفكار ديكارت Descartes، و سبينوزا Spinoza ، و جون لوك Locke، سوى الأسس النظرية التي وجد فيها فلاسفة القرن الثامن عشر التنويريين منطلقاتهم و مبادئهم؛ فإذا التزم ديكارت الحياد السياسي   و حافظ على إيمانه اليسوعي، فإن سبينوزا تمرد على تعاليمه الدينية، واضعا مذهبا بين التصوف  و الغنوصية، بينما بطّن جون لوك أفكاره السياسية مواقفه إزاء الدين و سلطته، مدافعا عن الفصل بين السياسة و الدين، و بين الدولة و الكنيسة. إن السيطرة التي كُتبت للفصل بين الدين  و السياسية في تفكير الرعيل الأول من التنوريين،  هي التي تفرض سؤال طبيعة هذا الفصل، فهل كان فلاسفة أمثال منتسكيو Montesquieu و فولتيرVoltaire  و روسوRousseau   و ديدرو Diderot  و غيرهم، رافضين للدين بشكل عام، أم مجرد منكرين لدوره في الاجتماع  و السياسة؟ هل رفض هؤلاء الدين المسيحي أم كل الأديان؟ و هل لهم مواقف من الدين الإسلامي؟
   عرض الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو Montesquieu صراحة للدين الإسلامي، بعد أن أبرز موقفه من العلاقة بين الدين و الحياة السياسية. يقول متحدثا عن هذه العلاقة في شخص الحاكم: " و يُعدّ الأمير الذي يُحب الدين و يخافه كالأسد الذي يذعن لليد التي تلاطفه أو الصوت الذي يُسكِّنه، و يُعدّ الأمير الذي يخاف الدين و يمقته كالوحوش التي تقْرِضُ القيد الرادع لها من الانقضاض على المارين،  و يُعدّ الأمير الذي لا دين له كالحيوان الهائل الذي لا يشعر بحريته إلا إذا مزق و افترس."[1]. لا مناص للحاكم إذن، من بناء علاقة مع الدين لا تخرج عن أشكال ثلاثة : المحبة و الخوف، أو الخوف  و الكراهية، أو النفي و الإقصاء؛ الأشكال ذاتها التي تنعكس على النظام السياسي، و بالتالي على حياة الفرد و المجتمع. لكن مونتسكيو لا يقدم جوابا أو اختيارا لأحد هذه الأشكال، و لا يمنح الأفضلية لأحدها على الآخر، بل يترك السؤال مفتوحا على النحو التالي: أيهما أقل ضررا، أن لا يكون للفرد و المجتمع دين، أم إساءة استخدام هذا الأخير أحيانا ؟
      تتجلى العلاقة بين الديني و السياسي بوضوح أكبر في الفصل الثالث من الكتاب الرابع و العشرين، الذي يحمل عنوان: "الحكومة المعتدلة أكثر ملاءمة للنصرانية، و الحكومة المستبدة أكثر ملاءمة للإسلام"، حيث ركز على المسألة الجنسية لإبراز أساس الاختلاف في الطباع و الأمزجة؛ أورث تشريع التعدد لدى المسلمين حبا للنساء  و الملذات، جعلهم أكثر بعدا عن العقل و الإيمان في الآن ذاته، مُستشهدا بالفرق بين إمارة سِنار التي حكمها مسلم، فتقاتل أبناؤه على الحكم بعده، و أصَّلوا الاستبداد في سياستهم لأغراض لذّيّةٍ  شهويةٍ، و إمارة الحبشة حيث حالت النصرانية دون الاستبداد الذي رسخه الإسلام. انتقل مونتسكيو في الفصل اللاحق إلى بيان نتائج طبيعة الدينين، و يضع مُسلّمة أولى مفادها التعارض المطلق بينهما، حيث يعمل أحدهما على تَلْيين الطباع  و تَنْبيل الأخلاق، في حين يجنح الآخر إلى العنف و لغة السيف، و إلى إقامة روح الهدم في الفرد و المجتمع. حاول بعد ذلك تحديد أي نصرانية أفضل و أقدر على إسعاد الناس في الدنيا، بما أن النصرانية هي الدين الأفضل في رأيه، أو لنقل الأقل ضررا خاصة إذا تمت مقارنته بالإسلام. فبأي معنى نعتبر مونتسكيو أنواريا؟
    تبدو أنوارية هذا الفيلسوف في استناده إلى  مبادئ العقل، غير أن تلك العقلانية تبدو مغلقة دغمائية، لم تختلف عن عقلانية ديكارت المطلقة، لكنها في الوقت ذاته لم تتمكن من مسح الطاولة، حين تعلق الأمر بالإسلام، إذ لم يتخلص مونتسكيو من أحكامه المسبقة، و أفكاره الجاهزة حول هذا الدين الجديد،   و لم يستق معارفه حوله من غير المصادر الكنسية، لذلك لم يدرك مونتسكيو أن المسألة الجنسية، التي اعتبرها نقيصة تعتور تعاليم الإسلام، قضية تنظيمية للحياة الجنسية، التي كانت فوضية في عهود ما قبل الإسلام؛ فالتعدد و ما ملكت اليمين مثلا، خطوتان اصلاحيتان جذريتان، مقارنة باستعارة الفروج، و زنى المحارم، حيث أطرت الشريعة الإسلامية كل العلاقات الجنسية، داخل العلاقة الزوجية، إضافة إلى إن شيوع التعدد، ليس حكرا على معتنقي الديانات السماوية فقط، مثل اليهودية، التي تفرض على الأخ الزواج من زوجة أخيه الهالك، لما في ذلك من مصلحة الأبناء؛ " إذا كان هناك أربعة إخوة متزوجين من أربع نساء، ثم ماتوا: فأراد أكبر الإخوة الأحياء أن يتزوج أرامل إخوته كلهن، فالأمر بيده."[2]  بل حتى عند بعض الشعوب الوثنية كان التعدد شائعا، و لم يشمل تحريم التعدد في المسيحية بداية جميع الناس، بل اقتصر على رجال الكنيسة و رهبانها، و ظل حقا يتمتع به النبلاء و الملوك، أمثال لويس الرابع عشر، الذي عاش مونتسكيو فترة في ظل حكمه ؛ " استحوذ لويس الرابع عشر على جزأ من وظائف الملكة، و ترك الجزأ المتبقي للمحظيات. المحظيات لأن لويس الرابع عشر لم  يرض بتفضيل إحداهن، بل بإثنتين على الأقل. كما قدم لفرنسا و أوروبا فرجة منقطعة النظير لملك متعدد الزوجات"[3] . تتداعى الجحة الجنسية التي بني عليها مونتسكيو التباين بين الطباع و الأمزجة إذن، كما تظهر سطحية تحليله حين اعتماد على ثنائية: البرودة و الحرارة، في تفسير التباين بين الشجاعة  و الجبن،  و بين العدل و الجور، و بين الاعتدال و الإفاط، و بين النشاط  و الخمول، و غيرها من الثنائيات الأخرى، التي تندرج كلها ضمن هذه الحالة الفيزيائية، يتزايد تهافت آرائه  و مواقفه من الإسلام، حين يلجأ إلى ثنائية أخرى، هذه المرة التقابل بين الشمال و الجنوب، و هي ثنائية جغرافية، لايمكن اعتبارها سوى تكرار للثنائية الأولى. لقد اعتمد مونتسكيو على الأخبار الواردة عن الرحالة، و على الحكاية  و السرد،. استند فيلسوف التنوير إذن على مقدمات تبدو صادقة، و هي مجرد مشهورات،  ودليل ذلك سيادة المناخ القاري و المتوسطي معظم البلاد الإسلامية، و هي باردة و حارة، حسب فصول السنة، من جهة، و انتشار الأسلام في بلدان معتدلة و الباردة، من جهة ثانية. كان همه الأول حين يعرض للإسلام، التعريض به  و تحقيق الغلبة بكل الوسائل المتاحة، كأننا بمكيافيلية مونتسكتو تنفضح كلما عبر عن عدائه للدين الحنيف. يتزايد استغراب القارئ للروح الشرائع، حين يجد ذات الثنائية الفيزيائية تفسر الفروق بين الحكومات المعتدلة، و نظيراهتا المستبدة؛ فليست الأدلة على سيادة الطغيان و الاستبداد بالبلاد الباردة بقليلة أو نادرة، بل نجده في تاريخ الغرب ؛ " و تاريخ الأمم المسيحية في القديم. و الحديث يكاد يكون كله حروبا طاحنة و معارك دامية هي بالهمج و الحيوان المفترس أجدر منها بالبشر الذين ميزهم الله بالعقل و بالقلب  و جعلهم مدنيين بالطبع."[4] نماذج عدة لحكومات موغلة في الطغيان، تنفي ارتباط الطقس البارد بلين الطباع، و إلا كيف يمكننا تفسير قسوة  و غلظة محاكم التفتيش، التي بلغ جحيمها أقصى البلدان الأوروبية برودة؟ و كيف نفهم قسوة الرجل الأبيض على الرقيق؟ وجد مونتسكتو لهؤلاء ما يبرر عبوديتهم، في الثنائية عينها. بل ليست الثورة الفرنسية سوى الدليل الحاسم على انفصال الاستبداد عن المناخ، و بالتالي تهافت حجج مونتسكيو في هذه المسألة، كما في غيرها، و كذا انفضاح الارتباط الوثيق بين الإديولوجيا و العقلانية عنده.
   الأجواء ذاتها دفعت فولتير Voltaire إلى السخرية من الدين، ليس المسيحي فقط، بل خص مسرحيته الشهيرة: " محمد أو التعصب"[5]، للسخرية من شخص نبي الإسلام و تعاليم هذا الدين الذي كان يهدد أوروبا، منذ عصور الحروب الصليبية الأولى، إلى حدود عصر فولتير حين كانت الإمبراطورية العثمانية تهديدا حقيقيا للأراضي المسيحية. رغم عودة فولتير إلى الإشادة بنظام الزكاة و بالنظام السياسي  و الاستراتيجي للنبي صلى الله عليه و سلم، فإنه يفعل ذلك لمجرد نقد المسيحية و إبراز اضمحلالها تاريخيا، و تراجعها سياسيا و اجتماعيا.  في معجمه الفلسفي استعرض فولتير تعريفا للقرآن، يشي بأنه اكتفى بالتصور الشعبي  الرائج    عن    الإسلام   و المسلمين؛ و قد أشار هو نفسه إلى عدم معرفة أدباء عصره لهذا الكتاب، لذلك حاول من خلال معجمه تعريف الأوساط الفكرية في فرنسا بالقرآن، يقول في تعريف هذا الأخير: " يحكم هذا الكتاب بشكل استبدادي كل افريقيا الشمالية من جبال الأطلس إلى صحراء برقة، و مصر بكاملها و سواحل المحيط الأثيوبي...، سوريا، آسيا الصغرى، و كل الدول المحيطة بالبحر الأسود و البحر الإيجي..."[6].
   يعترف فواتير بعدم معرفة الأوروبيين للقرآن رغم الجهود التي بدلوها في دراسته، يقول: " في هذه البلدان الممتدة امتدادا هائلا، لا يوجد محمدي واحد يسعد بقراءة كتبنا المقدسة، و قلة هم الأدباء بيننا الذين يعرفون القرآن. لقد شكلنا دائما فكرة سخيفة عنه رغم أبحاث علمائنا المعتبرين."[7]. غير أن ما كتبه فولتير بعد قوله هذا يُظهر أن مقصده ليس تمجيديا لهذا الكتاب؛ حيث استعرض سورة الفاتحة مترجمة إلى اللسان الفرنسي،  معتبرا هذه السورة أول القرآن آخذا بترتيب المصحف لا بترتيب النزول، ثم انتقل إلى تحديد معاني الحروف الأُوّل من سورة البقرة، ليبرز أنها بغير معنى، لأن كل مفسر يؤولها على طريقته، لكن الأغلبية حسب فولتير تُجمع على أن معناها هو: الله، لطيف، مجيد. و الحال أن أهل التفسير في الإسلام قد أجمعوا على كونها من الأسرار التي استأثر الله تعالى بعلمها، و ليس لأنها بدون معنى.   ليس سبب اللاتحديد الدلالي لتلك الأحرف إذن اختلاف المفسرين، و هذا ما يدفعنا إلى افتراض مواقف إيديولوجية و تصورات عقدية، حكمت نظرة فولتير إلى الإسلام، إلى جانب معرفته المحدودة به.
   إن الوقوف على مسألة معاني الحروف المقطعة في القرآن، و ميل هذا الفيلسوف الأنواري إلى تفسيرها باعتبارها الأحرف الأُولى من كلمات معينة، لهو دليل قوي على تأثره بالتأويلات الباطنية و القبالية للنصوص الدينية؛  فقد كان التأويل الباطني متداولا في الفكر العربي الإسلامي على نطاق ضيق، و هو التفسير الذوقي الذي لم يُجْمِع عليه و لم يُروِّج له التفسير الذي يمكن نعته بالرسمي في الإسلام، و نجد هذا التفسير الذوقي لدى أمثال القشيري في مصنفه: " لطائف الإشارات " حيث نعثر فيه على ذات المعنى الذي أورده الفيلسوف الأنواري، يقول: " هذه الحروف المقطعة في أوائل السورة من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله عند قوم، و يقولون لكل كتاب سر، و سر الله في القرآن هذه الحروف المقطعة. و عند قوم إنها مفتاح أسمائه، فالألف من اسم  الله و اللام يدل على اسمه اللطيف و الميم يدل على اسمه المجيد  و الملك.  و قيل أقسم الله بهذه الحروف لشرفها لأنها من بسائط أسمائه و خطابه.   و قيل أسماء السور"[8] .  في هذا المعنى الأخير قال الزمخشري: " فإن قلت: ما معنى تسمية السور بهذه الخاصة؟ قلت: كان المعنى في ذلك الإشعار بأن الفرقان ليس إلا كلمات عربية معروفة التركيب من مسميات هذه الألفاظ"[9]. و تفاصيل هذه المسألة كثيرة. لكن اعتبار فولتير هذا التأويل - بغض النظر عن خلفية الرجل العقدية أو النظرية- نهائيا بما وجد فيه من عقلانية، أسقطه في نزعة وثوقية تناقض مبادئ التنوير نفسه. يظهر الموقف الإيديولوجي لفولتير بوضوح أكبر حين يعرض وضع المرأة في الإسلام، معنونا ذلك بالقواعد المحمدية حول النساء؛ إذ عرض ثمان ترجمات لآيات من سورة النساء، ليستنتج أن وضع المرأة في الشرائع الإسلامية من السوء بما كان. يشير فولتير  نفسه حين عرض ترجمة لسورة الفاتحة أنها في اللسان العربي أكثر اختلافا، يقول في ذلك: "يدعي بعضهم أن هذه الكلمات في العربية أكثر حيوية بمائة مرة"[10]، و هذا يؤكد أن فولتير لم يكن ملما باللغة العربية، و أنه اعتمد في جميع مصادره على تصنيفات القساوسة و رهبان الكنيسة. فرُبَّ ترجمة تضيّع المعنى الأصلي، و رُبَّ معنى يُصاغ في ظروف تاريخية، و يستمر لتغطية فترات طويلة من التاريخ. ذاك هو حال فولتير الذي تجده متأثرا بغزو القسطنطينية بشكل أو بآخر،  و لا أدل على هذا التأثر من الأوصاف و النعوت التي يستخدمها في الحديث عن رموز الدين الإسلامي،  و التي تُفقد محتوى المعجم الفلسفي في مادته المتعلقة بالقرآن  و بالمحمديين موضوعيته و علميته.  
   لم يكن الفيلسوف جون جاك روسو  Jean Jacques Rousseau استثناء بين فلاسفة قرن التنوير، إذ عرض للمسألة الدينية في إطار تحليله و تأسيسه لنظرية سياسية مُؤطرة ضمن نظرية التعاقد الاجتماعي، التي جاءت كردة فعل ضد نظرية التفويض الإلهي. إلا أن روسو يذهب مذهبا مختلفا في نظرته إلى العلاقة بين الدين و السياسة؛ مسترجعا مراحل تاريخية و أمم أثّرت في مسيرة الحضارة الإنسانية، منذ الديانات الوثنية مرورا بالديانة اليهودية، التي تشهد على تلك العلاقة الوطيدة و المتوترة في الآن ذاته بين السياسي و العقدي الديني؛ إذ لم يكن سبب اضطهاد الشعب العبري سوى رفضه لآلهة البابليين، و صولا إلى الديانة المسيحية التي انتهت إلى فصل بين السلطة الثيولوجية و السلطة السياسية، مما جعل المجتمع منقسما و مترددا بين الطاعة للأولى  و الخضوع للثانية. يقول روسو في هذا السياق: " مع ذلك، فلطلما وُجد أمير و قوانين مدنية دائمة، نتج عن هذه القوة المضاعفة صراع دائم حول الحاكمية، مما يجعل السياسة الجيدة مستحيلة في الدولة المسيحية؛ لم يُقْدر أبدا على معرفة أتجب طاعة السيد أم القس؟"[11]. رغم نقده لمونتسكيو في الفصل الثامن من الكتاب الثالث، حيث رفض الربط بين الحرية و المعطى الجغرافي، و الفرق بين شعوب الشمال و الجنوب، و التباينات بين الطقس البارد   و الحار؛ فليست حرارة بلاد الشرق مثلا مبررا لانتشار الاستبداد فيها، كما أن معيار خصوبة الأراضي و عقمها ليس بالمعيار الواضح لهذه التفرقة، فإن روسو لم يعترض على موقف مونتسكيو من الإسلام كدين يلائم الأنظمة السياسية الاستبدادية. لكنه عاد في الكتاب الرابع، و تحديدا في فصله الثامن، الذي يتناول الدين المدني و يحوي موقفا ضمنيا يعترض على أطروحة مونتسكيو، حيث سيشيد روسو بالنظام السياسي الإسلامي، بما أنه تمكن من المزاوجة بين السلطة الدينية و السياسية، مما جعل المجتمع موحدا على طاعة جهة محددة، يقول في هذا الباب: " مع ذلك، أرادت شعوب مختلفه في أوروبا و ما جاورها، الحفاظ على النسق القديم أو إعادة إقامته. لكن بدون جدوى حيث سادت الروح المسيحية  كل شيء، ظل الطقس المقدس أو صار مستقلا عن الحاكم لاحقا، و دون ارتباط بكيان الدولة. كانت لمحمد نظرة صائبة، و أوثق جيدا نظامه السياسي، و بما أن شكل حكومته استمر مع الخلفاء ورثته، فإن هذه الحكومة واحدة بالتمام، و من ثمة فهي صالحة. لكن العرب صاروا مزدهرين و متعلمين و مهذبين و مائعين         و جبناء فاجتاحهم الهمج."[12]
   لكن هذا الإعجاب بالنظام السياسي للدولة في الإسلام، خاصة كما تبلور خلال مرحلته التأسيسية مع النبوة، و مع الخلفاء الراشدين الذين حافظوا على شكل الحكومة، التي تربط بين الدين و السياسية للحفاظ على وحدة المجتمع و وحدة السلطة. يتعارض مع ما أورده روسو حول المسلمين في رسالته التي حاز بفضلها جائزة أكاديمية ديجون سنة 1750 ، حيث يقول: "لقد كان المسلم الغبي الآفة الأبدية على الآداب التي ما زالت تتولد بين ظهانينا"[13]. إن النعت السلبي الذي وظفه روسو، يولد بالضرورة تصورا سلبيا على المنعوت، غير أن المفارقة الأولى التي تعلن عن نفسها هي هذه الازدواجية بين الإعجاب    و الإزدراء. أما المفارقة الثانية فهي حكم روسو على المسلم، رغم أنه لا يعرف الشرق إلا عن طريق روايات الذين عاشوا فيه؛ " عرف روسو الشرق عن طريق الإشاعة، فقد كان والده ساعاتيا في القسطنطينية"[14].  الحقيقة أن كل الآراء الإيجابية التي أوردها روسو حول الإسلام، كانت لنقد الكنيسة،     و السخرية من وهنها مقارنة بقوة الدين الجديد.
   إن مُساءلة بعض الأنواريين، الرموز منهم خاصة، حول الدين عامة، و الإسلام تحديدا، واحد من الضرورات النظرية التي يمكن من خلالها فهم المواقف السائدة في الغرب إزاء الإسلام و المسلمين،  إذ ليست لهذه النزعات شروط راهنة فحسب، بقدرما تنبني على جذور تاريخية لا تقف عند الأنواريين، بل تصعد إلى أبعد من ذلك . لكن للوقوف عند رموز التنوير دلالاته، خاصة بالنسبة لمجتمعاتنا المسلمة التي تتطلع نُخبها إلى إنجاح التنوير     و تحقيقه، في مجتمعات تبدو أقرب ما تكون إلى مثيلاتها في أروبا القروسطية، خاصة في علاقة أفرادها        و مؤسساتها بالدين و الشريعة، تلك العلاقة المتغلغل في وجدان الجماعة، و التي أورثت ما وصفه روسو باللإنفصال بين سلطة الحاكم السياسي و سلطة الدين، هذه الأخيرة ما عادت في المجتمعات المسلمة المعاصرة ممثلة في الفقهاء و العلماء، كما كانت إلى حدود سقوط الإمبراطورية العثمانية في الشرق، و منذ البيعة المشروطة في المغرب الإسلامي. فهل كان الأنواريون أنواريين فعلا؟ و ماهو التنوير الذي نقصده حين نستخدم هذا المفهوم في خطاباتنا اليوم ؟  



المراجع المعتمدة
·   الزمخشري، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر ، تفسير الكاشف عن حقائق التنزيل و عيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار المعرفة، الطبعة الثالثة، 2009.
·   القشري، أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك ، لطائف الإشارات، الجزء الأول، تحقيق عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 2007.
·   مونتسكيو، روح الشرائع، ترجمة: عادل زعيتر، الجزء الثاني، اللجنة الدولية لترجمة الروائع الإنسانية  ( الأونيسكو)، دار المعارف بمصر، 1953.
·   الوزاني، محمد حسن، الإسلام و الدولة أو حقيقة الحكم في الإسلام، دراسات و تأملات العدد 1، مؤسسة محمد حسن الوزاني.
·        Geeraert, Anais, Louis XVI et Les Reines de Cœur, Edition Broché ,2006.
·        Rousseau, Jean Jacques, Du Contrat Social, présentation par Bruno Bernardi, Flammarion, 2001.
·        Rousseau, Jean Jacques, Discours sur Les Sciences et Les Arts, Les Échos du Maquis, 2011. 
·        Terme, Renaud, La perception de l’islam par les élites françaises (1830 – 1914), Université Bordeaux Montaigne, Ecole Doctoral Montaigne Humanité, 2016.                
·        Voltaire, Le Fanatisme ou Mohamet le Prophète, Tragédie, 1741.
·        Voltaire, Dictionnaire Philosophique, Le Chasseur Abstrait, 2005.

  






[1]  مونتسكيو، روح الشرائع، ترجمة: عادل زعيتر، الجزء الثاني، اللجنة الدولية لترجمة الروائع الإنسانية ( الأونيسكو)، دار المعارف بمصر، 1953، ص 177.
[2]  مصطفي عبد المعبود سيد منصور، سلسلة ترجمة متن التلمود، المشنا، القسم الثالث، ناشيم: النساء،مكتبة النافذة، بدون تاريخ، ص 51.
 [3]  Geeraert, Anais, Louis XVI et Les Reines de Cœur, Edition Broché, p 11,2006.
[4]   الوزاني، محمد حسن، الإسلام و الدولة أو حقيقة الحكم في الإسلام، دراسات و تأملات العدد 1، مؤسسة محمد حسن الوزاني، ص 17.
[5]  Voltaire, Le Fanatisme ou Mohamet le Prophète, Tragédie, 1741.
[6]  Voltaire, Dictionnaire Philosophique, Le Chasseur Abstrait, 2005, p 90.
[7]  نفس المرجع.                                            
[8]  أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشري، لطائف الإشارات، الجزء الأول، تحقيق عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 2007، ص 16.
[9]  أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري، تفسير الكاشف عن حقائق التنزيل و عيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار المعرفة، الطبعة الثالثة، 2009، ص 32.
[10]  .Voltaire, Dictionnaire Philosophique, Le Chasseur Abstrait, 2005, p 90
[11]  Jean Jacques Rousseau, Du Contrat Social, présentation par Bruno Bernardi, Flammarion, 2001, p 167.
[12]  المرجع السابق، ص 167- 168.
Discours sur Les Sciences et Les Arts, Les Échos du Maquis, 2011, p 8.               [13]  Jean Jacques Rousseau,
[14]  Renaud Terme, La perception de l’islam par les élites françaises (1830 – 1914), Université Bordeaux Montaigne, Ecole Doctoral Montaigne Humanité, 2016, P 175.