السبت، 22 فبراير 2020

الديمقراطية الوطنية و الوطنية الديمقراطية

الديمقراطية الوطنية و الوطنية الديمقراطية  
تقوم الأنظمة الديمقراطية على الإرادة الشعبية، فتكون تعبيرا عن إرادة وطنية عامة، أي أنها بناء للسلطة متجرد من كل المحددات عدا المحدد الوطني، إن الفرد مواطن بغض النظر عن دينه أو لغته أو عرقه...، لكن الديمقراطية في البلاد العربية عامة، و المغرب خاصة، تتشبع بدلالات غريبة عنها، شأنها في ذلك شأن باقي المفاهيم السياسية الأوروبية، إذ تتحول إلى مجرد خطة تصوغها الحكومات الوطنية، هنا يبرز الطابع الاستبدادي للديمقراطية، أي ارتكاس هذا النظام و تحوله إلى عملية إجرائية تركز على الجوانب الشكلية والتنظيمية، و لا يحقق الغايات السياسية و الاجتماعية المنتظرة منه. إن ما يجعل نقاش الديمقراطية في العالم العربي الإسلامي أكثر توترا، هو الموروث المفاهيمي السياسي القائم على التصورات الثيولوجية، و البنيات الاجتماعية التقليدية المتجذرة في الممارسة السياسية الحديثة و المعاصرة، لذلك كان مخاض الديمقراطية مساوقا للولادة القيصرية التي أخرجت الدولة الوطنية إلى الوجود، و ظل هذا العالم في صراع ضد الاستبداد زمنا طويلا، و مازالت معركته مستمرة حتى في ظل وجود الشكل الديمقراطي، بمعنى أن بناء المؤسسات التمثيلية لم يمنع من استمرار الفساد الإداري و السياسي و الاجتماعي، كما لم يمنع قدرة البنيات الاجتماعية و الثقافية التقليدية، من التأثير في الممارسة و السلوك السياسيين، و على اختراق الحياة السياسية مساهمة بشكل أو بآخر، في تعطيل مفعول الديمقراطية  و عرقلة التقدم و الرقي الموعودين، إذ أثبتت الوقائع أن الديمقراطية في العالم العربي الإسلامي، تنتجت حكم الطغمة التي تكون في الغالب عسكرية، أو تُوصِل الأحزاب الدينية إلى سدة الحكم، مثلما حدث في مصر حيث وصل حزب إسلامي إلى رئاسة الجمهورية، بعد أن كانت إيديولوجيته موضع اضطهاد و ملاحقة و تضييق، أي أن تبني الديمقراطية لا يعني ضرورة بناء العدالة و إرساء دولة الحق والقانون، الشاهد على ذلك، وصول الحزب النازي على رأسه هتلر إلى الحكم في ألمانيا قبيل الحرب العالمية الثانية، الحزب الذي دفع البلاد إلى حالة من الخراب و الانقسام. في كل من ألمانيا الأمس و مصر اليوم أفرزت الإرادة الشعبية أنظمة لا ديمقراطية، على الأقل في مصر دفعت تلك الإرادة إلى عودة نفس النظام الذي ثارت ضده، أي عودة حكم المجلس العسكري، الذي لا يمكن اعتباره إلا تعبيرا عن قصور المجتمع المدني، أو بالأحرى الإرادة المدنية الضعيفة التي لم تستطع تحقيق الأمن و النظام و الحفاظ على السيادة، أما في تونس فقد ساهم حياد الجيش وحرصه على حماية مؤسسات الدولة، في استمرارية تأثير الإرادة الشعبية في الممارسة السياسية، بينما فجرت تلك الإرادة نزاعات مسلحة في الكثير من الدول العربية الإسلامية الأخرى، دفعت النظام الحاكم في المغرب إلى إصلاح الدستور،و فتح أوراش كبرى للتنمية باءت بالفشل، تماما مثلما فشلت الإصلاحات الدستورية، التي وسعت من دائرة سلطة رئيس الحكومة، لكنها ولدت اضطرابا في سير الحكومة ومهمتها. مع ذلك لم يكن للإرادة الشعبية في المغرب المعاصر أي تأثير على الممارسة السياسية، خاصة بعد الإفلاس الجماهيري الذي أصاب الأحزاب، و الشلل الوظيفي للنقابات و الهيئات الاجتماعية، الشيء الذي فرض ظهور حركات شعبية خارج الأطر السياسية الرسمية ، فعلى غرار الحركات الاحتجاجية في الكثير من البلاد العربية، خرجت حركة عشرين فبراير مثلا في المغرب من رحم المطالب الاجتماعية و الاقتصادية، و لم تصل مطالبها السياسية إلى الحد الأقصى، أي المطالبة بإسقاط النظام، بل اقتصرت على المطالبة بإصلاحه.
   لا يمكن الفصل بين الديمقراطية و بين الإرادة الشعبية، حين يتعلق الأمر بالدول الغربية، لكن الحال مختلف في دول ما يعرف بالعالم الثالث، من أفريقيا و آسيا إلى أمريكا اللاتينية، حيث كافحت الشعوب و الأنظمة من أجل الانتقال الديمقراطي، أي أصبحت الديمقراطية حالة مسبوقة بحالة أخرى، و كأنه انتقال من حالة الطبيعة إلى حالة المدنية و التحضر، و هو بالفعل كذلك إذا نظرنا إلى حالة ما قبل الديمقراطية، كحالة غياب التعاقد الاجتماعي بمعناه الحديث، غير أن هذا التعميم ليس صحيحا، خاصة إذا استحضرنا علاقات الولاء و النفوذ داخل تلك المجتمعات، و هي العلاقات التي تزداد قوة في المجتمعات التاريخية، المسكونة بالماضي و التقاليد والتراث. هنا الاستثناء، لأن الوعي العربي تعامل مع مفهوم الديمقراطية بطرق مختلفة، تراوحت بين الرفض والقبول المطلق أو المشروط، بينما نجدها في دول أمريكا اللاتينية مقبولة كنموذج و كمثل أعلى.كذلك اقترنت الديمقراطية بالانتقال في المغرب، حيث اعتبرتها سلطة الدولة العليا بناء يتم تشيده بشكل متواصل  و دائم، مما يجعل الديمقراطية في السياق المغربي عملية غير مكتملة، حيث ترتبط بمجموعة من الإجراءات التنظيمية،  وعدد من السلوكيات السياسية، كالفصل بين السلط و التعدد الحزبي و الانتخابات...، لكنها لم ترق بعد إلى إقرار دولة الحق و القانون، رغم وجود الدستور و ترسانة القوانين و التشريعات، لتبقى الديمقراطية نموذجا إلزاميا، مفروضا من سلطة قائمة قبليا، و ليست منبثقة من الإرادة الشعبية، بما أن الإرادة العامة كما هي ممثلة في البرلمان و المجالس الأخرى، ليست مطابقة لإرادة الجماهير الشعبية، فهذه الأخيرة في عمومها غير مسيسية و الشيء الذي يوحدها هو المطالب الاجتماعية و الاقتصادية. هذه الديمقراطية العمودية هي ما يمكن أن نصطلح عليه وطنية ديمقراطية، حيث تغدوا الوطنية مرجعية أعلى من الديمقراطية، و تصبح هذه الأخيرة مجرد عملية إصلاحية، و عملية بناء مستمر ما زالت عاجزة عن تحقيق غايتها، و لم تتجاوز عملية التحديث الشكل و الظاهر، بينما حافظت السلطة على جوهرها التقليدي.
   تمثل الديمقراطية  الإرادة الشعبية، التي تتجسد في المطالب الجماهيرية و تتحول في حالة تجاهلها أو إقصائها إلى الاحتجاجات و الانتفاضات و العصيان المدني، و لعل أفضل وسيلة لبيان آليات اشتغال الوطنية الديمقراطية، كتعبير عن عملية الدمقرطة المفروضة من سلطة قائمة قبليا،هي تحديدها كسلطة مُحتكرة من لدن فئة تقليدية نخبوية، و الحال أن الديمقراطية الوطنية لا تنبني إلا بشكل تشاركي و توافقي، بين طبقات واسعة في  المجتمع،غير أن الإرادة الشعبية قوبلت بالرفض من قبل السلطة، و هو الرفض الذي عبر عن نفسه في مقارباتها الأمنية لتلك الاحتجاجات، و الذي لا يعدم الشواهد و الأدلة التي مازالت مستمرة في الواقع. في المغرب كما في غيره من البلاد العربية الإسلامية، لم تكن للإرادة الشعبية القوة على التأثير في القرار السياسي، إذ لم تكن مشاركة فعليا في بناء السلطة، بل نظرت إليها هذه الأخيرة على أنها خطر على استقرارها. كثيرة هي الانتفاضات الشعبية التي عاشها المغرب منذ الاستقلال، منذ الستينيات إلى تسعينيات القرن الماضي، لتستأنف حركتها منذ العشرية الأولى من هذا القرن، لكن السلطة واجهتها بنفس الطريقة و المقاربة التقليدية، و نموذجها ما يعرف في الأدبيات السياسية المغربية، بسنوات الرصاص،" خلافا لمنهجية البحث بخصوص الأشخاص المتوفين في مراكز الاحتجاز، و بالنظر لتعدد الأماكن المفترضة بالنسبة للوفيات بسبب الاستعمال المفرط و غير المتناسب للقوة العمومية أثناء مواجهة بعض الأحداث الاجتماعية"[1]. سواء تعلق الأمر بأحداث الدار البيضاء سنة 1965 و 1981 ، أو أحداث الشمال 1984، أو فاس 1990، كانت الإرادة الشعبية أو التعبير الجزئي عنها، في مواجهة رصاص القوات العمومية. إن معنى الحركات الاحتجاجية هو تشكل وعي سياسي - جماعي، و وعي بالتماثل بين المصلحة الخاصة و العامة، فرغم طبيعة مطالبها الاجتماعية، لا تخلو من خلفيات نظرية و إيديولوجية، لكنها في كل الأحوال جزء من التاريخ السياسي للمغرب المعاصر، الذي ما زال يعاني أوجاع ولادة الديمقراطية، نتيجة لتجاهل تلك الحركات الشعبية عند صياغة المشاريع الإصلاحية، و فتح الأوراش التنموية التي انتهت بالفشل، و نتيجة كذلك للمسارات التي اتخذتها الديمقراطية، ضمن سياق مغرب ما بعد الاستقلال؛ لأنها لم تتجاوز كونها إجراء انتقاليا، يرتد بدوره إلى المفهوم القديم- الجديد، مفهوم الإصلاح الذي اتخذ بدوره صيغة دورية تكرارية. يصعد أصل هذا الوضع الذي عرفته الديمقراطية في مغرب ما بعد الاستقلال، إلى الصراع الداخلي الذي عرفته الدولة بين مكوناتها الأولى، و المتمثلة في  الملكية و الأحزاب، ضمن هذه العلاقة حدث احتكار للعنف المادي من طرف الدولة، منذ وقت مبكر من تاريخ المغرب المعاصر السياسي، حيث لم يكن حل جيش التحرير، و دخول النظام الملكي في صراع مع رموز و قادة الحركة الوطنية،إلا بداية لتأزم الديمقراطية و تعثر بناء دولة وطنية، خاصة بعد فشل  الانقلابات التي قام بها الجيش، و الحركات السياسية المسلحة المتشبعة بالماركسية خلال السبعينيات، أصبحت القوة العسكرية مرتبطة بالملكية حصرا، و لم يشهد المغرب قط صعود حزب قوي له جناح عسكري. سيكون لهذا الاحتكار آثاره على مسار الديمقراطية و إرساء الحق و القانون، حيث حدث سلب لمجموعة من الحقوق  و انتهاك القوانين، و تعرض بعض زعماء و رموز الحركة الوطنية للنفي و الاعتقال، إضافة إلى حضر النشاطات السياسية لبعض الحركات و الهيئات، و ملاحقة النشطاء و المناضلين اليساريين، و ما إلى ذلك من انتهاكات حقوق الإنسان و القوانين الدولية؛ انتهت الحركية السياسية في المغرب بعد الاستقلال إلى أفق مسدود، صارت السلطة فيه محتكرة من طرف المؤسسات التقليدية، و انسحبت الإرادة الشعبية التي طالما حركت تاريخ المغرب، تحت وطأة العنف المادي المُحتكر من طرف تلك المؤسسات، غير أنها عادت للتعبير عن نفسها خلال فترة التسعينيات من القرن العشرين، في عودة الأحزاب إلى نشاطها السياسي الفعلي، و كان ترأس أحزاب المعارضة للحكومة انجازا سياسيا مهما، بعد علاقة الجفاء بين تلك الأحزاب  و الملكية، إلا أن هذا الانجاز كان لحظيا و لم يكن له من امتداد للتأثير في مسار الديمقراطية، لأن هذه الأخيرة أصبحت نتيجة للعوامل المتباينة و المتداخلة استنساخا و إرساء، و هو الإرساء الذي لا يتم إلا بعمليات اجتثاث لمفاهيم و ترسخ أخرى، و هذا ما يفسر فشل كل الإجراءات الشكلية للانتقال الديمقراطي، حيث لم يتحقق استقلال القضاء رغم العمل بمبدأ الفصل بين السلط، و لم يتحقق التداول الديمقراطي للسلطة رغم تعدد الأحزاب. أدى الفصل بين السلط إلى استشراء الفساد الإداري، بينما أدى التعدد الحزبي إلى عزوف عن العمل السياسي، و إفلاس الأحزاب جماهيريا، و حتى تلك التي لازالت فاعلة سياسيا، فإنها تنطلق من مرجعيات تقليدية، سواء أكانت دينية أو عصبية قبيلة، كما لم يُحدث تقسيم الهيأة التمثلية إلى غرفتين نتيجة تذكر، من هنا تكون الوطنية الديمقراطية نموذجا لصعوبة بناء الدولة الحديثة، في ظل بنيات مفاهيمية  و اجتماعية تقليدية، ومن ثمة لم ترق إلى استنباتها من الداخل، فحتى الأشكال التعاقدية التي عرفها المشهد السياسي المغربي، كانت نخبوية و محصورة في طبقة ضيقة من طبقات المجتمع،و ظلت الإرادة الشعبية هامشية و لم تستطع حتى اليوم التأثير في السلطة.  
   سيكون من باب الاختزالية، اعتبار الديمقراطية مجرد إجراءات و مؤسسات يجب إقامتها، بغض النظر عن العنصر البشري، و عن مدى تأثيرها في حياة الناس و وعيهم، بل إن ماهية الأنظمة الديمقراطية تتحدد بقدرتها على ترسيخ سلوكيات سياسية، كالحريات العامة و قيم المواطنة، و ليس حصرها في عمليات الاقتراع العام، الذي يُفرز سلطة تمثيلية، سوى محاولة تبييء النسق الديمقراطي لمُلاءمة البنيات التقليدية القائمة، مما يضعنا أمام أنظمة سياسية غير قابلة للتصنيف، " بالنهاية، لا يمكن اعتبار النظام السياسي المغربي متميزا، لأنه ثمرة تاريخ ملكية متفردة و ضرورات الحاضر الديمقراطي، الذي يمكن تدقيقه و تحديده كنظام ثقافة إسلامية و ملكية سائدة..."[2]، مما يعني استمرارية نفس علاقات الولاء، و اعتزال فئات عريضة للعمل السياسي، نظرا لهالة القدسية التي تحيط بالمواضيع السياسية، و تجعلها مادة لتناول نخب ضيقة مع الكثير من التحفظ، تم بالتالي عزل مكون أساسي عن الممارسة السياسية، و تراجع الاهتمام الشعبي بالقضايا السياسية من داخل المؤسسات الرسمية، لتخرج إلى العلن حركات احتجاجية مستقلة و منظمات محظورة، بمطالبها الاجتماعية  و الاقتصادية والسياسية، فانكشف عجز المجتمع المدني و الأحزاب عن المشاركة الفعلية، أو التأثير الوازن في عملية الدمقرطة، العملية التي تبقى قسرية إلزامية حتى في ظل تغيير الدستور، إذ وجدت الإرادة الشعبية نفسها أمام سلط متعددة؛ سياسية و اقتصادية و عائلية و قبلية، من ثمة لم تكن الديمقراطية البرلمانية سوى غطاء لهذا التعدد، و إعادة إنتاج نفس الآليات السياسية دون تحقيق فعلي لدولة الحق و القانون، " ظاهرة الديمقراطية مختلفة في المغرب، أولا لأن الملكية نفسها قررت منذ سنوات انخراط البلاد في سيرورة الدمقرطة أفضت إلى العديد من الإصلاحات. لنذكر إضافة إلى ذلك، أن تلك الإصلاحات كانت برعاية الملك الحسن الثاني بداية التسعينيات، وتمت متابعتها من طرف خلفه محمد السادس منذ تنصيبه سنة 1999 ... هكذا تُبرز مبادرة انخراط المغرب في سيرورة الدمقرطة، إرادة ملكية لقيادة البلاد نحو الديمقراطية..."[3]. إن الوطنية الديمقراطية هي التوجيه والقيادة نحو نموذج لم تحدده الإرادة الشعبية، و لم ينبثق من سيرورة التاريخ الاجتماعي    و السياسي للمغرب، أي أن القطيعة بين تلك السيرورة و ذلك التوجيه، هي التي حولت عملية الدمقرطة إلى عملية إصلاحية لم يُكتب لها الاكتمال، فحتى اعتماد الإجراءات الديمقراطية الشكلية، عجز عن إقرار نموذج سياسي يحرر الأفراد والمؤسسات من آفة الفساد، التي طالت كل المجالات الحيوية للمجتمع المغربي، و ليس اعتماد الانتخابات أو الاستفتاءات مثلا، دليلا على تحقق الإرادة العامة، خاصة حين ننظر إلى نسب المشاركة، التي شهدت تراجعا بين انتخابات 2011  و 2016، حيث انخفضت من 45 في المائة إلى 43 في المائة، كما أن وجود الأحزاب و تعددها، لا يعني تأثيرها في الحياة السياسية، خاصة إذا استحضرنا الظروف التاريخية لعلاقتها بذاتها وبالملكية، " أظهرت محاولات الانقلاب المتتالية، للحسن الثاني أن الجهاز الأمني الذي تَطَلع لإقامة سلطته الدائمة عليه، أمر خاطئ، فقرر بالتالي إعادة إدخال الأحزاب إلى اللعبة السياسية"[4]. لقد كان لهذا الإدخال مفعوله في إثراء الحياة السياسية، لكن سرعان ما فقدت الملكية ثقتها بالأحزاب، خاصة بعد انشغالها بصراعاتها السياسية، التي اعتبرتها الملكية انحرافا بالسياسة عن أهدافها النبيلة،" أمام هذا الوضع، من حق المواطن أن يتساءل: ما الجدوى من وجود المؤسسات، و إجراء الانتخابات، و تعيين الحكومة و الوزراء، و الولاة والعمال، و السفراء و القناصلة، إذا كانوا هم في واد، و الشعب و همومه في واد آخر؟ فممارسات بعض المسؤولين المنتخبين، تدفع عددا من المواطنين، و خاصة الشباب للعزوف عن الانخراط في العمل السياسي، و عن المشاركة في الانتخابات. لأنهم بكل بساطة لا يثقون في الطبقة السياسية، لأن بعض الفاعلين أفسدوا السياسة، وانحرفوا بها عن جوهرها النبيل"[5]، يمكن القول إن مسار الديمقراطية انتهى إلى أزمة ثقة، كانت النتيجة الطبيعية، لتراجع الحس الوطني لدى المسؤولين الإداريين و السياسيين، و تقاعسهم عن أداء مسؤولياتهم وواجباتهم، ولعل هذا التقاعس، هو ما يفسر سلوكا سياسيا شاع بين المغاربة اليوم، أعني الاستغاثة بالملك والاستنجاد به عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو من خلال محاولة إيصال رسائل إليه مباشرة، من خلال اختراق المواكب الرسمية، فهذا السلوك دليل واضح على تأزم الديمقراطية في المغرب، لأن المؤسسات لم تقم بما عليها لتحقيق الانتقال الديمقراطي، و بما يعود بالنفع على حياة الشعب المغربي، باتت شريحة عريضة  منه تتطلع لعدالة الملك و تدخله. لكن ذلك السلوك يعبر أيضا عن لا شعور جماعي، يعتبر السلطة قوة مركزة في يد فرد واحد، أي أن عدالة السلطان، خير من الديمقراطية التي تتفتت فيها السلطة، و تصير موزعة بين عدد أكبر من الأفراد، ولعل في هذا قرينة على عدم استعداد الوعي الشعبي للنموذج الديمقراطي، غير أن هذا الحكم سيكون عموميا،لأن الشعب ليس كتلة متجانسة بشكل تام، حيث توجد فئات شعبية مختلفة بمرجعيات متباينة، لكن ينطبق هذا الحكم على الطبقات البسيطة من المجتمع المغربي. ليست مركزية الملك في اللاشعور الشعبي فقط، و إنما في الواقع كذلك، لأن الملكية الدستورية تقتضي في السياق المغربي مراقبة الملك، " رغم الإصلاح الدستوري المتسرع لتهدئة، حركة 20 فبراير مثلا، استمر الملك في ممارسة سلطته التنفيذية مكتملة، و يراقب السلطة التشريعية، مادام كل مشروع قانون لابد أن يوافق عليه مجلس الوزراء الذي يرأسه"[6] . بين مركزية الملك وتراجع الأحزاب و هامشية الشعب، تبقى الديمقراطية إصلاحا يصعب تحقيقه شكلا و مضمونا، إذ ما زال التعامل مع تمظهرات الإرادة الشعبية، بنفس الطريقة التي كانت سائدة خلال القرن العشرين، و لم تستطع السلطة التخلي عن مقاربتها الأمنية في تعاملها مع كل حركة احتجاجية، سواء في أحداث سيدي افني  2008، أو الحسيمة 2016 أو جرادة ،2018 ، لم تنجح السلطة في تغيير الوضع الاجتماعي و الاقتصادي للساكنة هذه المدن.




 التقرير الختامي لهيأة الإنصاف و المصالحة، الكتاب الأول، ص 71-72. [1]
Bernard Cubertafond , La Vie Politique Au Maroc, L’harmattan,2001,p 6 .[2]
 Hynd Saidi Azbeg, Processus de Démocratisation et Monarchie Constitutionnelle au Maroc , Université De Bordeaux, thèse de[3] doctorat en droit public,2014,p 38.
J-N Ferrié et B Dupret, La Nouvelle Architecture Constitutionnelle Et Les Trois Désamorçages De La Vie Politique Marocaine, .[4]  Confluence Méditerranée, no 78 Mars 2011,p27
 من خطاب الذكرى 18 للعرش بتاريخ 29 يوليوز 2017.[5]
 Omar Brousky, Mohamed VI Derrière ses Masques, nouveau monde édition,2014,p 9-10.[6]

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق